تناهى إلى سمعي وأنا ببيت الشيخ محسن، صوتا بدا
وكأنه صدر عن إحدى زواياه
المهجورة، لم أستطع أن أحدد ماهيته، ولكنه جعلني
أتوقف عن عملي، لأجول
ببصري في أرجاء المكان بحثا عن مصدره، وعهدي بخلو
المكان يعزز يقيني
بتوهمي بوجود أحد سواي في هذا البيت.
كان السكون يخيم على المكان مما جعلني أعاود
انشغالي ببحثي وأعزو مصدره
إلى وهم ناتج عن إرهاقي في العمل تحت وطأة حر
الصيف، أو إلى بعض القطط
التي تتخذ من مثل هذه الأماكن المهجورة ملاذا لها
ومركزا لتجمعها.
مرت لحظات ليعاود الصوت بعدها طرق أسماعي، وكان
هذه المرة أكثر وضوحا
فهناك شخص ما يدعوني إليه؟!… سرت في جسدي قشعريرة
وانتابت أوصالي رعشة…
توقفت عن العمل وبدأت دوامة من الهواجس تلف رأسي،
وتذكرت القصص التي
يتداولها الناس حول البيوت المهجورة في مدينة
إطرابلس القديمة التي تسكنها
الجن.
طردت سحابة الهواجس السوداء التي خيمت فوق رأسي…
وتوجهت ناحية السلالم
المستحدث التي تتوسط الفناء، وبدأت أصعد الدرجات
ملبيا دعوة فضول
الاستكشاف الذي قادني إلى هذا البيت، ودفعني إلى
سبر أغوار المجهول في
تاريخه. وأحسست بأن ثمة شيء يشدني إلى استشفاف
مكنون هذه الدعوة الغامضة.
كان مصدرها يأتيني من " دار القبول" التي وصلت
إليها لأجد بابها مغلقا…
دفعته بيدي فأصدر صريرا حادا، وانبعثت من الداخل
رائحة البخور، مما جعل
إحساس التردد الذي ينتابني يتضاعف ليصبح حالة من
التوتر تشل أوصالي وتربك
كياني وتضطرب لها أفكاري وتضاعف من مخاوفي… فلم
يكن من السهل علي قبول
فكرة مواجهة الجن في عقر دارها.
أنزاح عن الحجرة بعض دخانها فتكشّفت- وكان عهدي
بها خاوية- عن السدة التي
اقتلعت منذ زمن بعيد وقد عادت إلى مكانها، وتحتها
صندوق الملابس
الخشبي"السحرية" وهذه الدكة الطويلة تتصدر الغرفة
وخلفها علقت الحيطية
الحريرية المطرزة بخيوط الفضة وفوقها علقت صور
صاحب البيت وعائلته.
التفتت في أجواء المكان وعقلي ينكر ما تراه عيناي،
لتستقرا على طيف يجلس
متصدرا السدة. صعقت لوقع المفاجأة، فتراجعت إلى
الوراء بخطوات سريعة وأنا
أحبس صرخة تريد أن تنطلق من مكمنها ارتعشت لها
فرائصي وألجمتني بحالة من
الذهول للحظات، تمالكت بعدها نفسي وتفرست في وجهه
محاولا اختراق حجوبات
العتمة التي تغلف المكان علني أميز ملامحه أو
أتعرف إليه… فبدا لي من خلال
ضوء خافت يتسلل عبر نافذة صغيرة تحتضنها إحدى
زوايا الغرفة. وجها ملائكيا
لفتاة تكلله ابتسامة عذبة. وقد بدت في زينتها
وكأنها عروس في ليلة زفافها،
"بردائها
المخملي، وحرائر قميصها وسروالها والدبوس الفضي
المعلق في ضفائر
شعرها الأسود، وصدرتها الموشاة وحذائها الذهبي
وحلقها المشبك من ستة ثقوب
في كل أذن، وعقودها المصنوعة من الليرات الذهبية
وسلاسلها المنسوجة على
هيئة أزهار حول خديها القرمزيين"
.
نظرت إلى هذا الكائن الماثل أمامي، وقد تمازج على
صفحة وجهي الخوف مع
اندهاشي، فلم تتمالك هي نفسها من موقفي هذا،
وأطلَقَت ضحكة مرحة، انسابت
على نفسي المضطربة كالماء البارد، لتهدئ من روعها
وتجعلني أستمد منها بعض
الجرأة لأسألها وأنا أصارع ارتباكي، عن ذاتها من
تكون؟!
لمعت عيناها السوداوان ببريق أخّاذ، وظل ابتسامة
رقيقة يترنم على شفتيها، وقالت في نبرة هادئة أضفت
على ملامحها سحر غامض:
-
أنا من جئتَ تنبش جدران هذا البيت، وتحفر أرضيته
بحثا عنها.
قاطعتها مستدركا:
-
بل الرغبة في إدراك المعاني التي تختفي وراءها
رموز هذا التداخل بين
الثابت والمتغير في تشكيل بيوت المدينة، هي التي
قادتني إلى هذا البيت.