المهندس ياسر دياب
06-13-2007, 05:44 PM
نظرة على المشهد العمراني في القدس خلال العهد العثماني
ا تزال مدينة القدس تحفل بعدد كبير من الآثار والمعالم التي تعكس الروح العربية – الاسلامية لهذه المدينة الصامدة أمام الهجمات الصهيونية المتواصلة ومحاولات سلطات الاحتلال تذويبها أو تدميرها. وعلى الرغم من الأشواط المديدة التي قطعتها عملية تهويد القدس، لا يزال يقاوم التهويد ما ينوف على 300 معلم أثري تنتمي الى الحضارتين العربية والاسلامية – في صدارتها الدرّة الأبدية/ الحرم القدسي الشريف – منها: 46 مدرسة تاريخية – 39 زاوية وضريحاً وتربة – 25 مسجداً – 22 سبيلاً وحماماً – 35 قبة ومحراباً وباباً – 34 طريقاً قديمة وأثرية – 18 طريقاً مقدسة عند المسيحيين – 19 كنيسة وبطريركية – 9 أسواق قديمة – 8 أبواب – عدد كبير من القباب والتكايا والخانقاهات والأربطة والمقابر الجماعية (التي تضم 9 قبور للصحابة وعشرات القبور للمجاهدين والعلماء والقادة والأعيان... الخ).
أولاً: منزلة القدس في العهد العثماني
على غرار العهود الاسلامية المتعاقبة، ظل الارتباط بالقدس يشكل أحد المضامين العقيدية والتعبدية في حياة المسلمين خلال العهد العثماني، استناداً الى نصوص واردة في الكتب والنصوص المقدسة، التي تحفل بالقوة الروحية لهذه العلاقة. وكان هذا الارتباط بالقدس محركاً روحياً ووجدانياً لسلوك السلاطين والولاة والأمراء والقضاة ورجالات الدولة المهمين وسواهم، معبراً عنه بالحفاظ على المعالم القائمة وبناء منشآت جديدة في هذه المدينة. وحظيت القدس آنذاك باهتمام فائق، لم يقتصر على بناء كمّ كبير من المعالم المعمارية، بل تعداه الى العناية بالدور الحضاري والثقافي الذي كانت تؤديه هذه المعالم في حياة أهل القدس والعرب والمسلمين عامة.
ومع أن الأيوبيين هم الذين استردوا المدينة المقدسة (من الصليبيين) على يد الناصر صلاح الدين (583هـ/ 1187م)، وأن المماليك من بعدهم (658 – 922هـ/ 1260 – 1516م) شيدوا الكثير من المباني الدينية، الى جانب اعادة بناء وترميم مكاني العبادة المركزيين، وهما المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وساهموا بذلك في صبغ المدينة بالطابع الاسلامي، الا ان القدس بعد أربع سنوات من الحكم العثماني في فلسطين – في زمن السلطان سليم الأول – خضعت للمرة الأولى الى برنامج تطوير منتظم وشامل في زمن السلطان سليمان الأول/ القانوني (الذي تولى الحكم في الفترة 926 – 974هـ/ 1520 – 1566م). وتمكن من اعادة تثبيت مكانة المدينة بصورة نهائية كمركز يشد المسلمون اليه رحالهم، وبذلك كان السلطان سليمان مجدد المدينة وراعي نهضتها ومرسي قواعد ازدهارها.
حول اهتمام السلطان سليمان بالقدس، قدّم لنا الرحالة التركي أوليا جلبي – في مخطوطة «أوليا جلبي سياحتنا مه سي» – ضمن وصفه لزيارة قام بها الى القدس (في رمضان 1080هـ/ الموافق كانون الثاني (يناير) 1670م) الشرح التالي: في عام 926هـ/ 1520م اعتلى السلطان سليمان العرش، وعندما غدا ملكاً مستقلاً ظهر له النبي (صلى الله عليه وسلم) في ليلة مباركة وقال له: يا سليمان ستحقق انتصارات عدة، ويجب عليك أن تنفق الغنائم على تزيين مكة والمدينة وعلى تحصين قلعة القدس، حتى تصد الكافرين اذا حاولوا احتلالها خلال حكم خلفائك. وعليك أيضاً أن تزين حرمها بحوض للمياه، وأن تمنح دراويشها مخصصات مالية كل عام. وعليك أيضاً أن تزين صخرة الله وأن تعيد بناء مدينة القدس. ويضيف الرحالة جلبي: لما كان ذلك أمراً من الرسول، فقد نهض سليمان خان في الحال من نومه، وأرسل صرّة الى المدينة وأخرى الى القدس. وبالاضافة الى المواد اللازمة أرسل كبير مهندسيه خوجا سنان (ت 996هـ/ 1588م) الى القدس، ونقل مصطفى باشا من ولاية مصر الى ولاية الشام. ولما صدر الأمر لمصطفى باشا بترميم القدس، جمع البنائين كافة والمهندسين والنحاتين في القاهرة ودمشق وحلب وأرسلهم الى القدس لاعادة بنائها وزخرفة الصخرة المشرفة.
ربما يصعب علينا التحقق تاريخياً من صحة تفاصيل هذا السرد حول عناية السلطان سليمان الأول بتعمير مدينة القدس، لكن من الواضح أنه يسلط الأضواء ليس فقط على الدوافع الاجمالية التي يمكن تقصيها من خلال المباني التي ما زالت قائمة في المدينة، بل يقدم أيضاً أدلة واضحة تبين الدوافع التي كانت تكمن وراء كل اجراء من اجراءات البناء على حدة. ولنلحظ هنا أن عمليات البناء استمرت في القدس على امتداد القرون الأربعة للعهد العثماني. ولما كان من المتعذر، في هذا المقام، تقديم عرض تفصيلي للتراث المعماري والثقافي الذي خلفه العثمانيون في القدس، فإن ثمة عينات لا تزال ماثلة للعيان تسمح بتكوين مشهد اجمالي لهذا التراث.
ثانياً: تجديد سور القدس وأبوابها
تبين المراجع التاريخية ان اليبوسيين (2500ق م) هم الذين بنوا الصيغة الأولى لسور القدس، وأنه طرأت عليه تعديلات وعمليات ترميم في الفترات المتعاقبة، منها التجديد الذي تم في زمن القائد الأيوبي الناصر صلاح الدين يوسف بعد استرداد القدس (583هـ/ 1187م). ولكن هذا السور تعرض للخراب بعد أكثر من 30 عاماً (615هـ/ 1219م) بفعل تعرض المدينة لخطر حصار صليبي، ودمر مرة أخرى (624هـ/ 1227م) وبسبب ذلك تمكن فريدريك الثاني من استلام المدينة المقدسة (626هـ/ 1229م) من دون أي مقاومة تقريباً. ثم بقيت القدس لأكثر من ثلاثة قرون تالية تفتقر الى نظام دفاعي فاعل، الى ان جاء العهد العثماني.
من المهم الاشارة هنا الى سور القدس، الذي يحيط بالمدينة القديمة من جهاتها الأربع، القائم اليوم، هو من تجديد استغرق خمس سنوات (اعتباراً من 943هـ/ 1536م) في فترة حكم السلطان العثماني سليمان الأول/ القانوني، وبإشراف مباشر من معتمده المهندس خوجا سنان. ولا يزال اسم السلطان سليمان منقوشاً عليه. وكان هذا التجديد فوق أساسات البناء المتهدم التي بقيت من العهد الأيوبي، وذلك بعد الفراغ من مشروع تزويد المدينة بالمياه.
جعل للسور آنذاك 34 برجاً (للحراسة والحماية بنيت – بمصطلحات اليوم – لاعتبارات طوبوغرافية واستراتيجية وأمنية) و344 فتحة رمي، وفي أعالي أبراج بوابات السور بنيت 17 حجرة لأغراض قتالية. ولا تقدم الدراسات الأثرية تحديداً قاطعاً لمدى العلاقة بين الأبراج العثمانية والأبراج الأقدم منها، حيث جرى في حالات عدة اصلاح الأجزاء العلوية منها. ولكن على وجه العموم تبدو غالبيتها الساحقة على الطراز العثماني الذي يتميز بالطبيعة المتماثلة لمواد البناء والوحدات الهندسية.
ا تزال مدينة القدس تحفل بعدد كبير من الآثار والمعالم التي تعكس الروح العربية – الاسلامية لهذه المدينة الصامدة أمام الهجمات الصهيونية المتواصلة ومحاولات سلطات الاحتلال تذويبها أو تدميرها. وعلى الرغم من الأشواط المديدة التي قطعتها عملية تهويد القدس، لا يزال يقاوم التهويد ما ينوف على 300 معلم أثري تنتمي الى الحضارتين العربية والاسلامية – في صدارتها الدرّة الأبدية/ الحرم القدسي الشريف – منها: 46 مدرسة تاريخية – 39 زاوية وضريحاً وتربة – 25 مسجداً – 22 سبيلاً وحماماً – 35 قبة ومحراباً وباباً – 34 طريقاً قديمة وأثرية – 18 طريقاً مقدسة عند المسيحيين – 19 كنيسة وبطريركية – 9 أسواق قديمة – 8 أبواب – عدد كبير من القباب والتكايا والخانقاهات والأربطة والمقابر الجماعية (التي تضم 9 قبور للصحابة وعشرات القبور للمجاهدين والعلماء والقادة والأعيان... الخ).
أولاً: منزلة القدس في العهد العثماني
على غرار العهود الاسلامية المتعاقبة، ظل الارتباط بالقدس يشكل أحد المضامين العقيدية والتعبدية في حياة المسلمين خلال العهد العثماني، استناداً الى نصوص واردة في الكتب والنصوص المقدسة، التي تحفل بالقوة الروحية لهذه العلاقة. وكان هذا الارتباط بالقدس محركاً روحياً ووجدانياً لسلوك السلاطين والولاة والأمراء والقضاة ورجالات الدولة المهمين وسواهم، معبراً عنه بالحفاظ على المعالم القائمة وبناء منشآت جديدة في هذه المدينة. وحظيت القدس آنذاك باهتمام فائق، لم يقتصر على بناء كمّ كبير من المعالم المعمارية، بل تعداه الى العناية بالدور الحضاري والثقافي الذي كانت تؤديه هذه المعالم في حياة أهل القدس والعرب والمسلمين عامة.
ومع أن الأيوبيين هم الذين استردوا المدينة المقدسة (من الصليبيين) على يد الناصر صلاح الدين (583هـ/ 1187م)، وأن المماليك من بعدهم (658 – 922هـ/ 1260 – 1516م) شيدوا الكثير من المباني الدينية، الى جانب اعادة بناء وترميم مكاني العبادة المركزيين، وهما المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وساهموا بذلك في صبغ المدينة بالطابع الاسلامي، الا ان القدس بعد أربع سنوات من الحكم العثماني في فلسطين – في زمن السلطان سليم الأول – خضعت للمرة الأولى الى برنامج تطوير منتظم وشامل في زمن السلطان سليمان الأول/ القانوني (الذي تولى الحكم في الفترة 926 – 974هـ/ 1520 – 1566م). وتمكن من اعادة تثبيت مكانة المدينة بصورة نهائية كمركز يشد المسلمون اليه رحالهم، وبذلك كان السلطان سليمان مجدد المدينة وراعي نهضتها ومرسي قواعد ازدهارها.
حول اهتمام السلطان سليمان بالقدس، قدّم لنا الرحالة التركي أوليا جلبي – في مخطوطة «أوليا جلبي سياحتنا مه سي» – ضمن وصفه لزيارة قام بها الى القدس (في رمضان 1080هـ/ الموافق كانون الثاني (يناير) 1670م) الشرح التالي: في عام 926هـ/ 1520م اعتلى السلطان سليمان العرش، وعندما غدا ملكاً مستقلاً ظهر له النبي (صلى الله عليه وسلم) في ليلة مباركة وقال له: يا سليمان ستحقق انتصارات عدة، ويجب عليك أن تنفق الغنائم على تزيين مكة والمدينة وعلى تحصين قلعة القدس، حتى تصد الكافرين اذا حاولوا احتلالها خلال حكم خلفائك. وعليك أيضاً أن تزين حرمها بحوض للمياه، وأن تمنح دراويشها مخصصات مالية كل عام. وعليك أيضاً أن تزين صخرة الله وأن تعيد بناء مدينة القدس. ويضيف الرحالة جلبي: لما كان ذلك أمراً من الرسول، فقد نهض سليمان خان في الحال من نومه، وأرسل صرّة الى المدينة وأخرى الى القدس. وبالاضافة الى المواد اللازمة أرسل كبير مهندسيه خوجا سنان (ت 996هـ/ 1588م) الى القدس، ونقل مصطفى باشا من ولاية مصر الى ولاية الشام. ولما صدر الأمر لمصطفى باشا بترميم القدس، جمع البنائين كافة والمهندسين والنحاتين في القاهرة ودمشق وحلب وأرسلهم الى القدس لاعادة بنائها وزخرفة الصخرة المشرفة.
ربما يصعب علينا التحقق تاريخياً من صحة تفاصيل هذا السرد حول عناية السلطان سليمان الأول بتعمير مدينة القدس، لكن من الواضح أنه يسلط الأضواء ليس فقط على الدوافع الاجمالية التي يمكن تقصيها من خلال المباني التي ما زالت قائمة في المدينة، بل يقدم أيضاً أدلة واضحة تبين الدوافع التي كانت تكمن وراء كل اجراء من اجراءات البناء على حدة. ولنلحظ هنا أن عمليات البناء استمرت في القدس على امتداد القرون الأربعة للعهد العثماني. ولما كان من المتعذر، في هذا المقام، تقديم عرض تفصيلي للتراث المعماري والثقافي الذي خلفه العثمانيون في القدس، فإن ثمة عينات لا تزال ماثلة للعيان تسمح بتكوين مشهد اجمالي لهذا التراث.
ثانياً: تجديد سور القدس وأبوابها
تبين المراجع التاريخية ان اليبوسيين (2500ق م) هم الذين بنوا الصيغة الأولى لسور القدس، وأنه طرأت عليه تعديلات وعمليات ترميم في الفترات المتعاقبة، منها التجديد الذي تم في زمن القائد الأيوبي الناصر صلاح الدين يوسف بعد استرداد القدس (583هـ/ 1187م). ولكن هذا السور تعرض للخراب بعد أكثر من 30 عاماً (615هـ/ 1219م) بفعل تعرض المدينة لخطر حصار صليبي، ودمر مرة أخرى (624هـ/ 1227م) وبسبب ذلك تمكن فريدريك الثاني من استلام المدينة المقدسة (626هـ/ 1229م) من دون أي مقاومة تقريباً. ثم بقيت القدس لأكثر من ثلاثة قرون تالية تفتقر الى نظام دفاعي فاعل، الى ان جاء العهد العثماني.
من المهم الاشارة هنا الى سور القدس، الذي يحيط بالمدينة القديمة من جهاتها الأربع، القائم اليوم، هو من تجديد استغرق خمس سنوات (اعتباراً من 943هـ/ 1536م) في فترة حكم السلطان العثماني سليمان الأول/ القانوني، وبإشراف مباشر من معتمده المهندس خوجا سنان. ولا يزال اسم السلطان سليمان منقوشاً عليه. وكان هذا التجديد فوق أساسات البناء المتهدم التي بقيت من العهد الأيوبي، وذلك بعد الفراغ من مشروع تزويد المدينة بالمياه.
جعل للسور آنذاك 34 برجاً (للحراسة والحماية بنيت – بمصطلحات اليوم – لاعتبارات طوبوغرافية واستراتيجية وأمنية) و344 فتحة رمي، وفي أعالي أبراج بوابات السور بنيت 17 حجرة لأغراض قتالية. ولا تقدم الدراسات الأثرية تحديداً قاطعاً لمدى العلاقة بين الأبراج العثمانية والأبراج الأقدم منها، حيث جرى في حالات عدة اصلاح الأجزاء العلوية منها. ولكن على وجه العموم تبدو غالبيتها الساحقة على الطراز العثماني الذي يتميز بالطبيعة المتماثلة لمواد البناء والوحدات الهندسية.