arch
04-14-2008, 06:14 PM
يوم التراث العالمي وحماية التراث الفلسطيني
http://www.7rKt.at/uploader/uploads/fa21b36c99.gif (http://www.jeddahbikers.com/)
د. وليد أحمد السيد
معماري أكاديمي ومدير مركز دراسات العمارة الإسلامية - لندن
sayedw03@yahoo.co.uk
يصادف يوم 18 نيسان- إبريل من كل عام اليوم العالمي لحماية التراث الإنساني, وذلك بحسب الإتفاقية التي أقرها المؤتمر العام لمنظمة الامم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في باريس في عام 1972. وهذه الإتفاقية تصنف التراث البشري إلى نوعين, ثقافي ويشمل الآثار والأعمال المعمارية والمجمعات العمرانية والمواقع الحضرية ذات القيمة الإستثنائية, وطبيعي ويشمل المعالم الطبيعية المتآلفة والمواقع الطبيعية المحددة بدقة والتي لها قيمة عالمية. ومعلومة وبدهية هي الأسباب لتوقيع هذه الإتفاقية, حيث باتت العديد من المواقع التراثية المهمة مهددة والتي تشكل لا تراثا محليا فقط وإنما أضحت تنتمي للتراث العالمي للبشرية حيث تعود لآلاف السنين مما لا يمكن, بل يستحيل, تعويضه في حال إندثاره أو دماره. وتنص الإتفاقية في بند إعلانها الإفتتاحي على أن حماية هذه الممتلكات التراثية يقع على عاتق المجتمع الدولي بإعتبارها إرثا عالميا. وتتقاسم مسؤولية الحماية للتراث الطبيعي والثقافي الجهات الوطنية والدولية سواء بسواء. أما الوطنية, وبحسب المادة الرابعة من الإتفاقية, فتقع عليها مسؤولية تعيين التراث الثقافي والطبيعي الذي يقع في إقليمها وحمايته والمحافظة عليه وإصلاحه ونقله إلى الأجيال المقبلة, فيما يمكن أن تستعين بالمؤسسات الدولية المعنية على المستويات المالية والفنية والعلمية والتقنية.
ومع تطور الصراعات واندلاع الحروب منذ تلك الإتفاقية العالمية, باتت العديد من المواقع المهمة وذات القيمة التاريخية اللازمنية مهددة أكثر من أي وقت مضى, وبخاصة في مناطق النزاع الأستراتيجي في الشرق الأوسط, ومنها العراق وفلسطين, للسيطرة على الموارد الطبيعية من قبل الدول العظمى. وكنتيجة لهذا التطور وبالتساوق معه انبثقت اللجنة الدولية للدرع الأزرق International Committee of the Blue Shield (ICBS) وهي المكافئ الثقافي للصليب الأحمر الدولي, والتي تأسست عام 1996 من أجل العمل على حماية التراث الثقافي الذي تهدده الحروب والكوارث الطبيعية. كما أعلنت عن قلقها لما يحدث في الأراضي التي "تسيطر" عليها إسرائيل ولبنان والسلطة الفلسطينية من إراقة للدماء والمعاناة الإنسانية الهائلة ونزوح إضطراري وغيرها. وتقر اللجنة بغنى المنطقة بالتراث الإنساني الخالد الذي يعود لآلاف السنين مما يسجل في قائمة اليونسكو.
والجدير ذكره أن قائمة اليونسكو للتراث العالمي (http://whc.unesco.org/en/list/)والتي تقدمت بها دول العالم وضمن شروط وتوصيات وقرارات للجنة منتخبة, بحسب نص المادة الثامنة وتدعى "لجنة التراث العالمي", تحوي أسماء الدول والمناطق التي تم إقرارها كمناطق تراثية يستوجب الحفاظ عليها وترميمها ورعايتها من الأخطار الداخلية مثل الإهمال وسوء الإستعمال والتي تتصدرها بعض دول العالم الثالث كمصر في القاهرة الفاطمية مثلا, أو الخارجية نتيجة الحروب والإحتلال وفي مقدمتها الدول الشرق أوسطية وبالذات فلسطين. ومن المفارقة أن فلسطين وبالذات مدينة القدس والتي تعد قطعة من التراث العالمي بمبانيها وحاراتها ودروبها لم تدرج ضمن قائمة الدول وإنما صنفت تحت القدس (تم اقتراحها من قبل الأردن), فيما احتوت إسرائيل على خمسة مواقع مدرجة منها تل أبيب. أما البحث الكؤود عن اسم فلسطين في القائمة فلا يتمخض عن نتيجة, وكأن الضفة الغربية والقطاع التي تزخر بما لا يحصى من المباني والمواقع ذات القيمة المعمارية والحضارية والثقافية, والتي تتعرض للإزالة على الدوام, وبممارسات منهجية دؤوبة, من قبل سلطات الإحتلال الإسرائيلي لا مكان لها في قائمة التراث العالمي أو الضمير الإنساني للأمم المتحدة.
ومن هنا يكبر ويتعاظم الدور الحضاري والثقافي الذي تقوم به العديد من الجمعيات والمؤسسات الفلسطينية التي أخذت على عاتقها توثيق التراث الفلسطيني في غياب التبني الدولي للمشروع الفلسطيني وتحت نير القهر والتدمير العشوائي "المبرمج" لتغييب هوية شعب وطمس ذاكرة مكان. وغني عن التذكير بأن هذه المؤسسات والهيئات والجهود الفلسطينية تعمل في أشد الظروف وأحلكها وتراوح بين نبذ القبيلة من غياب السلطة الراعية المسؤولة والداعمة وبين إرهاصات المرحلة. ومن هذه الجهود ما تقوم به الجمعية الثقافية العربية بالناصرة برعاية مديرة المركز الدكتورة روضة بشارة, من أنشطة وبرامج وفعاليات ترمي إلى تأسيس مركز بحثي لتوثيق التراث العمراني الفلسطيني. أما الجامعة الإسلامية بغزة, وتحديدا قسم العمارة بها فلا يألوا جهدا في هذا الإطار. ويصدر القسم مجلة العمران الفصلية, برعاية الدكتور المعماري أسامة العيسوي رئيس تحريرها, وتعالج موضوعات تخص التراث والتحديات التي تواجهها العمارة الفلسطينية عموما والمستوى التعليمي الذي وصله أبناء الشعب الفلسطيني في قسم العمارة وهم تحت ظلال البنادق, في خضم صراعات الأطياف المختلفة, مما تشرئب له الأعناق وتفغر له أفواه الدهشة وتنحني له رقاب التواضع ويدعو للعجب والفخار معا.
ومؤخرا انبثق عن هذه الجهود مركز أكثر تخصصا لرعاية ودراسة وتوثيق التراث الفلسطيني في المناطق المحتلة هو مركز عمارة التراث بجامعة غزة برعاية رئيس المركز الدكتور المعماري أحمد المحيسن. ويعمل المركز وضمن أهدافه المباشرة بالمحافظة على التراث المعماري الفلسطيني. ويقيم مؤتمرا في نيسان المقبل بعد يوم التراث العالمي لدعوة الباحثين والأكاديميين والخبراء لتجنيد طاقاتهم الفكرية في إطار الحفاظ التراثي. كما يعمل في إحدى أنشطته الثقافية المهمة الأخرى على دراسة وتوثيق المباني التي استعمل الخزف فيها واستخدام الحاسوب في عملية غير مسبوقة ومثيرة للإعجاب ضمن استخدام الطاقات الفكرية والجسدية الكامنة في طلاب العمارة, فمرحى لجهودهم في غياب الراعي وألف تحية إعجاب وتقدير.
والعجب كل العجب من السلطة الفلسطينية بأطيافها وألوانها من يمينها لوسطها فيسارها إذ فاتها, في خضم صراعها السلطوي الموهوم, المشروع الحضاري الجسيم الملقى على عاتقها – شاءت أم أبت – والمتمثل في حفظ الهوية الحضارية. فالتراث العمراني الذي يجسد أعلى درجات الحضارة وهو أهم منتجاتها عبر العصور يظل يحوي بين طياته من الموروث الحسي الشاهد الوحيد على ذاكرة شعب. ذاكرته الإجتماعية بعاداته وتقاليده وحركاته وسكناته وما تفتقت عنه عقليات وسواعد الآباء والأجداد مما يعد التفريط به خطيئة حضارية ليس بعدها خطيئة. تراث ينطق بعروبة الأرض والمكان وبأرض تنسم هواءها الأنبياء ووطئت أقدامهم الطاهرة ترابها المقدس. وكان الأجدى بمن تصدى لتقلد سلطة موهومة في ظل بنادق الإحتلال أن يفرد لجهوده نصيبا وافرا للدفاع عن تراث لا يلوي المحتل على شئ قبل تدميره وتفتيته ومحوه, دفاعا حقيقيا يتمثل بتنصيب ودعم الكوادر المؤهلة للحفاظ ورفدها بالموارد والإمكانيات المختلفة التي تمكنها من القيام بعملها الحضاري المقدس على أكمل وجه. وهو دور فضلا عن كونه أعلى درجات الوطنية إنما هو أيضا من مستلزمات صناعة القرار والسياسة الوطنية ومسؤولية حضارية نصت عليها بنود الإتفاقية في مادتها الخامسة نصا مباشرا. وهي ليست ترفا ثقافيا تتطوع مؤسسة السياسة وصناعة القرار الوطنية بالقيام به, بل هي واجب وطني وحضاري وإنساني يشمل, وحسب المادة الخامسة, توظيف التراث في الحياة المعاصرة, وتأسيس الدوائر والمؤسسات التي ترعى التراث وشؤونه, وتنمية الدراسات والأبحاث العلمية والتقنية, وإتخاذ التدابير القانونية والعلمية والتقنية والإدارية والمالية الضرورية لتعيين التراث وحمايته وإحيائه, بالإضافة إلى دعم وإنشاء وتنمية مراكز التدريب الوطنية والإقليمية وتشجيع البحث العلمي في هذه الأطر. ومن هنا فالتفريط كائن ويكون في الأرض والعرض سواء بسواء, ويقيني أن كل متخاذل متواطئ وبالضرورة. فمشروع طمس الهوية ومعالمها العمرانية هو فوق أعلى أولويات الأجندة الإسرائيلية. وما فتئت قوات الإحتلال ماضية ومنذ عقود في تنفيذ مخططاتها بتؤدة وصبر في غياب الجهل السياسي الفلسطيني أوتجاهله. ولذا فجهود هذه المؤسسات المتواضعة ومع تقديرها إنما كانت لتتعاظم لو وجدت من يتبناها من الداخل والخارج, بيد أنها في واقع الحال وبتواضعها كمثل الشمعة الباهتة في وجه الإعصار الإستيطاني الصهيوني والمؤدلج والمدجج.
وحتى لا نغفل العام بحديثنا عن الخاص, فالتراث الفلسطيني المنوط برقبة الساسة ومن تطوع لتولي أمرها لا يقتصر على التراث العمراني فحسب, بل يمتد لدعم ورعاية كل ما يمس الهوية الفلسطينية وديمومة وجودها على أرضها المقدسة. ويشمل, ولا يقتصر, على دعم البرامج والمؤسسات والهيئات الثقافية المحلية التي تجاهد بالفكر والقلم لتقرير حقيقة ودحض أكذوبة, ويشمل تأهيل الكوادر البشرية والمحافظة عليها في ظل هجرة العقول والكفاءات الفلسطينية وراء الإغراءات العالمية والإقليمية بحياة أفضل. فالمرابطين على أرضهم يكون دعمهم بأهمية السعي للدفاع عن قضية ووطن إن لم يكن أكثر أهمية في ظل سياسات القتل والتهجير, فهم وبجهدهم الحضاري في الحفاظ على الهوية والتراث هم ما تبقى من دليل على عدالة قضيتهم لشعب في الداخل وفي المهجر. ومن هنا فتوظيف الخبرات والكفاءات المحلية والإقليمية وفي المهجر يكون من الأهمية بمكان في عكس التيار السائد وقلب الأمور المتدهورة. وهو ضرورة تاريخية ودور لا مناص منه للسلطة وليس من مبرر لغيابه عن ساحة الفكر والتفكير وأجندة الوطنيين الصادقين من أبناء الشعب الفلسطيني كل بحسب موقعه, ويتعاظم هذا الدور ويتناسب طرديا بتعاظم المسؤولية والسلطة. ولا أخفي مقدار حزني وكمدي حين امتدت إلى إحدى المؤسسات الفلسطينية أملا في البحث عن المساعدة لتوفير مصادر تمويل ودعم لمشروعاتها. فالأولى بتقديم هذا الدعم والمنوط به ليست المؤسسات الاوروبية, والتي ربما تمولها وتتحكم في قراراتها لجان صهيونية أو مما يدور بفلكها ويخدم مصالحها, إنما الأولى هي السلطة الفلسطينية بميزانياتها ومخصصاتها العلنية والسرية التي ينبغي أن توظف في هذه الأطر ودعم هذه الجهود. ولئن تقاعس الساسة عن دورهم تظل الخيرية في الأمة العربية في أقاليمها وحواضرها, ويظل الأمل بالمؤسسات والهيئات العربية الإقليمية بدعم مشاريع التراث والهوية حتى لا تضيع الأمة حضاريا ويذهب ريحها بين الأمم في ظل اللؤم والسهم الصهيوني الموجه لقلب التراث والهوية لفلسطين وعروبتها.
د.وليد السيد – لندن في 2008
http://www.7rKt.at/uploader/uploads/fa21b36c99.gif (http://www.jeddahbikers.com/)
د. وليد أحمد السيد
معماري أكاديمي ومدير مركز دراسات العمارة الإسلامية - لندن
sayedw03@yahoo.co.uk
يصادف يوم 18 نيسان- إبريل من كل عام اليوم العالمي لحماية التراث الإنساني, وذلك بحسب الإتفاقية التي أقرها المؤتمر العام لمنظمة الامم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في باريس في عام 1972. وهذه الإتفاقية تصنف التراث البشري إلى نوعين, ثقافي ويشمل الآثار والأعمال المعمارية والمجمعات العمرانية والمواقع الحضرية ذات القيمة الإستثنائية, وطبيعي ويشمل المعالم الطبيعية المتآلفة والمواقع الطبيعية المحددة بدقة والتي لها قيمة عالمية. ومعلومة وبدهية هي الأسباب لتوقيع هذه الإتفاقية, حيث باتت العديد من المواقع التراثية المهمة مهددة والتي تشكل لا تراثا محليا فقط وإنما أضحت تنتمي للتراث العالمي للبشرية حيث تعود لآلاف السنين مما لا يمكن, بل يستحيل, تعويضه في حال إندثاره أو دماره. وتنص الإتفاقية في بند إعلانها الإفتتاحي على أن حماية هذه الممتلكات التراثية يقع على عاتق المجتمع الدولي بإعتبارها إرثا عالميا. وتتقاسم مسؤولية الحماية للتراث الطبيعي والثقافي الجهات الوطنية والدولية سواء بسواء. أما الوطنية, وبحسب المادة الرابعة من الإتفاقية, فتقع عليها مسؤولية تعيين التراث الثقافي والطبيعي الذي يقع في إقليمها وحمايته والمحافظة عليه وإصلاحه ونقله إلى الأجيال المقبلة, فيما يمكن أن تستعين بالمؤسسات الدولية المعنية على المستويات المالية والفنية والعلمية والتقنية.
ومع تطور الصراعات واندلاع الحروب منذ تلك الإتفاقية العالمية, باتت العديد من المواقع المهمة وذات القيمة التاريخية اللازمنية مهددة أكثر من أي وقت مضى, وبخاصة في مناطق النزاع الأستراتيجي في الشرق الأوسط, ومنها العراق وفلسطين, للسيطرة على الموارد الطبيعية من قبل الدول العظمى. وكنتيجة لهذا التطور وبالتساوق معه انبثقت اللجنة الدولية للدرع الأزرق International Committee of the Blue Shield (ICBS) وهي المكافئ الثقافي للصليب الأحمر الدولي, والتي تأسست عام 1996 من أجل العمل على حماية التراث الثقافي الذي تهدده الحروب والكوارث الطبيعية. كما أعلنت عن قلقها لما يحدث في الأراضي التي "تسيطر" عليها إسرائيل ولبنان والسلطة الفلسطينية من إراقة للدماء والمعاناة الإنسانية الهائلة ونزوح إضطراري وغيرها. وتقر اللجنة بغنى المنطقة بالتراث الإنساني الخالد الذي يعود لآلاف السنين مما يسجل في قائمة اليونسكو.
والجدير ذكره أن قائمة اليونسكو للتراث العالمي (http://whc.unesco.org/en/list/)والتي تقدمت بها دول العالم وضمن شروط وتوصيات وقرارات للجنة منتخبة, بحسب نص المادة الثامنة وتدعى "لجنة التراث العالمي", تحوي أسماء الدول والمناطق التي تم إقرارها كمناطق تراثية يستوجب الحفاظ عليها وترميمها ورعايتها من الأخطار الداخلية مثل الإهمال وسوء الإستعمال والتي تتصدرها بعض دول العالم الثالث كمصر في القاهرة الفاطمية مثلا, أو الخارجية نتيجة الحروب والإحتلال وفي مقدمتها الدول الشرق أوسطية وبالذات فلسطين. ومن المفارقة أن فلسطين وبالذات مدينة القدس والتي تعد قطعة من التراث العالمي بمبانيها وحاراتها ودروبها لم تدرج ضمن قائمة الدول وإنما صنفت تحت القدس (تم اقتراحها من قبل الأردن), فيما احتوت إسرائيل على خمسة مواقع مدرجة منها تل أبيب. أما البحث الكؤود عن اسم فلسطين في القائمة فلا يتمخض عن نتيجة, وكأن الضفة الغربية والقطاع التي تزخر بما لا يحصى من المباني والمواقع ذات القيمة المعمارية والحضارية والثقافية, والتي تتعرض للإزالة على الدوام, وبممارسات منهجية دؤوبة, من قبل سلطات الإحتلال الإسرائيلي لا مكان لها في قائمة التراث العالمي أو الضمير الإنساني للأمم المتحدة.
ومن هنا يكبر ويتعاظم الدور الحضاري والثقافي الذي تقوم به العديد من الجمعيات والمؤسسات الفلسطينية التي أخذت على عاتقها توثيق التراث الفلسطيني في غياب التبني الدولي للمشروع الفلسطيني وتحت نير القهر والتدمير العشوائي "المبرمج" لتغييب هوية شعب وطمس ذاكرة مكان. وغني عن التذكير بأن هذه المؤسسات والهيئات والجهود الفلسطينية تعمل في أشد الظروف وأحلكها وتراوح بين نبذ القبيلة من غياب السلطة الراعية المسؤولة والداعمة وبين إرهاصات المرحلة. ومن هذه الجهود ما تقوم به الجمعية الثقافية العربية بالناصرة برعاية مديرة المركز الدكتورة روضة بشارة, من أنشطة وبرامج وفعاليات ترمي إلى تأسيس مركز بحثي لتوثيق التراث العمراني الفلسطيني. أما الجامعة الإسلامية بغزة, وتحديدا قسم العمارة بها فلا يألوا جهدا في هذا الإطار. ويصدر القسم مجلة العمران الفصلية, برعاية الدكتور المعماري أسامة العيسوي رئيس تحريرها, وتعالج موضوعات تخص التراث والتحديات التي تواجهها العمارة الفلسطينية عموما والمستوى التعليمي الذي وصله أبناء الشعب الفلسطيني في قسم العمارة وهم تحت ظلال البنادق, في خضم صراعات الأطياف المختلفة, مما تشرئب له الأعناق وتفغر له أفواه الدهشة وتنحني له رقاب التواضع ويدعو للعجب والفخار معا.
ومؤخرا انبثق عن هذه الجهود مركز أكثر تخصصا لرعاية ودراسة وتوثيق التراث الفلسطيني في المناطق المحتلة هو مركز عمارة التراث بجامعة غزة برعاية رئيس المركز الدكتور المعماري أحمد المحيسن. ويعمل المركز وضمن أهدافه المباشرة بالمحافظة على التراث المعماري الفلسطيني. ويقيم مؤتمرا في نيسان المقبل بعد يوم التراث العالمي لدعوة الباحثين والأكاديميين والخبراء لتجنيد طاقاتهم الفكرية في إطار الحفاظ التراثي. كما يعمل في إحدى أنشطته الثقافية المهمة الأخرى على دراسة وتوثيق المباني التي استعمل الخزف فيها واستخدام الحاسوب في عملية غير مسبوقة ومثيرة للإعجاب ضمن استخدام الطاقات الفكرية والجسدية الكامنة في طلاب العمارة, فمرحى لجهودهم في غياب الراعي وألف تحية إعجاب وتقدير.
والعجب كل العجب من السلطة الفلسطينية بأطيافها وألوانها من يمينها لوسطها فيسارها إذ فاتها, في خضم صراعها السلطوي الموهوم, المشروع الحضاري الجسيم الملقى على عاتقها – شاءت أم أبت – والمتمثل في حفظ الهوية الحضارية. فالتراث العمراني الذي يجسد أعلى درجات الحضارة وهو أهم منتجاتها عبر العصور يظل يحوي بين طياته من الموروث الحسي الشاهد الوحيد على ذاكرة شعب. ذاكرته الإجتماعية بعاداته وتقاليده وحركاته وسكناته وما تفتقت عنه عقليات وسواعد الآباء والأجداد مما يعد التفريط به خطيئة حضارية ليس بعدها خطيئة. تراث ينطق بعروبة الأرض والمكان وبأرض تنسم هواءها الأنبياء ووطئت أقدامهم الطاهرة ترابها المقدس. وكان الأجدى بمن تصدى لتقلد سلطة موهومة في ظل بنادق الإحتلال أن يفرد لجهوده نصيبا وافرا للدفاع عن تراث لا يلوي المحتل على شئ قبل تدميره وتفتيته ومحوه, دفاعا حقيقيا يتمثل بتنصيب ودعم الكوادر المؤهلة للحفاظ ورفدها بالموارد والإمكانيات المختلفة التي تمكنها من القيام بعملها الحضاري المقدس على أكمل وجه. وهو دور فضلا عن كونه أعلى درجات الوطنية إنما هو أيضا من مستلزمات صناعة القرار والسياسة الوطنية ومسؤولية حضارية نصت عليها بنود الإتفاقية في مادتها الخامسة نصا مباشرا. وهي ليست ترفا ثقافيا تتطوع مؤسسة السياسة وصناعة القرار الوطنية بالقيام به, بل هي واجب وطني وحضاري وإنساني يشمل, وحسب المادة الخامسة, توظيف التراث في الحياة المعاصرة, وتأسيس الدوائر والمؤسسات التي ترعى التراث وشؤونه, وتنمية الدراسات والأبحاث العلمية والتقنية, وإتخاذ التدابير القانونية والعلمية والتقنية والإدارية والمالية الضرورية لتعيين التراث وحمايته وإحيائه, بالإضافة إلى دعم وإنشاء وتنمية مراكز التدريب الوطنية والإقليمية وتشجيع البحث العلمي في هذه الأطر. ومن هنا فالتفريط كائن ويكون في الأرض والعرض سواء بسواء, ويقيني أن كل متخاذل متواطئ وبالضرورة. فمشروع طمس الهوية ومعالمها العمرانية هو فوق أعلى أولويات الأجندة الإسرائيلية. وما فتئت قوات الإحتلال ماضية ومنذ عقود في تنفيذ مخططاتها بتؤدة وصبر في غياب الجهل السياسي الفلسطيني أوتجاهله. ولذا فجهود هذه المؤسسات المتواضعة ومع تقديرها إنما كانت لتتعاظم لو وجدت من يتبناها من الداخل والخارج, بيد أنها في واقع الحال وبتواضعها كمثل الشمعة الباهتة في وجه الإعصار الإستيطاني الصهيوني والمؤدلج والمدجج.
وحتى لا نغفل العام بحديثنا عن الخاص, فالتراث الفلسطيني المنوط برقبة الساسة ومن تطوع لتولي أمرها لا يقتصر على التراث العمراني فحسب, بل يمتد لدعم ورعاية كل ما يمس الهوية الفلسطينية وديمومة وجودها على أرضها المقدسة. ويشمل, ولا يقتصر, على دعم البرامج والمؤسسات والهيئات الثقافية المحلية التي تجاهد بالفكر والقلم لتقرير حقيقة ودحض أكذوبة, ويشمل تأهيل الكوادر البشرية والمحافظة عليها في ظل هجرة العقول والكفاءات الفلسطينية وراء الإغراءات العالمية والإقليمية بحياة أفضل. فالمرابطين على أرضهم يكون دعمهم بأهمية السعي للدفاع عن قضية ووطن إن لم يكن أكثر أهمية في ظل سياسات القتل والتهجير, فهم وبجهدهم الحضاري في الحفاظ على الهوية والتراث هم ما تبقى من دليل على عدالة قضيتهم لشعب في الداخل وفي المهجر. ومن هنا فتوظيف الخبرات والكفاءات المحلية والإقليمية وفي المهجر يكون من الأهمية بمكان في عكس التيار السائد وقلب الأمور المتدهورة. وهو ضرورة تاريخية ودور لا مناص منه للسلطة وليس من مبرر لغيابه عن ساحة الفكر والتفكير وأجندة الوطنيين الصادقين من أبناء الشعب الفلسطيني كل بحسب موقعه, ويتعاظم هذا الدور ويتناسب طرديا بتعاظم المسؤولية والسلطة. ولا أخفي مقدار حزني وكمدي حين امتدت إلى إحدى المؤسسات الفلسطينية أملا في البحث عن المساعدة لتوفير مصادر تمويل ودعم لمشروعاتها. فالأولى بتقديم هذا الدعم والمنوط به ليست المؤسسات الاوروبية, والتي ربما تمولها وتتحكم في قراراتها لجان صهيونية أو مما يدور بفلكها ويخدم مصالحها, إنما الأولى هي السلطة الفلسطينية بميزانياتها ومخصصاتها العلنية والسرية التي ينبغي أن توظف في هذه الأطر ودعم هذه الجهود. ولئن تقاعس الساسة عن دورهم تظل الخيرية في الأمة العربية في أقاليمها وحواضرها, ويظل الأمل بالمؤسسات والهيئات العربية الإقليمية بدعم مشاريع التراث والهوية حتى لا تضيع الأمة حضاريا ويذهب ريحها بين الأمم في ظل اللؤم والسهم الصهيوني الموجه لقلب التراث والهوية لفلسطين وعروبتها.
د.وليد السيد – لندن في 2008