المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المرأة بين الحرية الغربية والكرامة الإنسانية _ 1 _



arch
06-12-2008, 09:01 AM
قراءة في كتاب
"مشاهد من الحياة الإجتماعية في مدينة لندن في القرن الثامن عشر"


المرأة بين الحرية الغربية والكرامة الإنسانية _ 1 _


http://www.7rKt.at/uploader/uploads/7213ca7b9d.gif (http://games.jeddahbikers.com/)
د. وليد أحمد السيد
قارئ في التراث والثقافة العربية الإسلامية
sayedw03(@)yahoo.co.uk


كثيرة هي المقالات والدراسات التي تناولت المرأة كموضوع مفصلي لتقرير تلك الحقيقة عن هذا المجتمع أو ذاك, بحيث أضحت مدى الحرية المكتسبة للمرأة هي بمثابة المسطرة التي يقاس عليها مدى تطور أو رجعية المجتمعات البشرية. وغني عن القول أن هذا الموضوع بالذات كان وما يزال الأكثر سخونة وأهمية لدى المستشرقين من ناحية والمستغربين من ناحية أخرى. فكلا الفريقين لا يني يكيل اللكمات للطرف الآخر محتجا بوضع المرأة المجتمعي. وبين هذا الفريق وذاك هناك الكتاب والمفكرون المنبهرون بإحدى الفريقين ممن ينال قلمه بالمجتمعات العربية المعاصرة أو بعضها بدعوى تخلفها وتردي وضع المرأة فيها لوجود بعض القوانين المجتمعية التي تنبع سواء من العادات والتقاليد الموروثة أو الدينية والتي لا تسمح للمرأة العربية في بعض المجتمعات المعاصرة أن تنحدرلدرك مماثل لما آل إليه حال مثيلاتها في المجتمعات الغربية المتحررة التي غدت السماء هي السقف الأعلى لما يمكن لها عمله أو ممارسته أو اعتقاده بدعوى التحرر والمساواة.

وبعيدا عن الخوض بتفاصيل الدعوات الكلاسيكية والمعاصرة للمستشرقين أو الكتاب العلمانيين المعاصرين مما لا يتسع المقال لذكرها, نجد في المقابل من اللازم أن نعرض لبعض هذه الدعاوى التي وصفت المرأة الشرقية في العصور الوسطى ككائن مجهول مضطهد لا يرى حيز النور إلا مرتين في الحياة ولا يتمتع بما يتمتع به الرجل المشرقي من حرية وامتيازات تكاد تكون مطلقة بالمقارنة, ناهيك عن الدعوات المعاصرة التي تبدأ من ضرورة إعطاء المرأة "رخصة قيادة" ومرورا بإعطائها حق الخلع وحق الموافقة على دخول "ضرة" عليها وانتهاء بحقوق التصويت ودخول السلك الدبلوماسي والسياسي. وبعيدا عن الدعوات المعاصرة التي تنبع في مجملها من عمى وانبهار بنظام حياة غربي جلبته العولمة لأخص الخاص من المجتمعات التقليدية المحافظة, وجدتني مدفوعا لتقصي دعاوى المستشرقين وللبحث عن الحقيقة التاريخية لوضع المرأة في المجتمعات الغربية التي تتشدق بحرية المرأة, وبخاصة المشرقية المظلومة, وكأنها حامي الحمى ولا بد في هذا المضمار. فكتابات المستشرقين في حق المرأة الشرقية خصوصا تدفع للذهن أن هذا المستشرق الذي يكتب بكل هذا الإندفاع والتهجم لا بد وأنه ينطلق في دعواه ومزاعمه من مقارنة سحيقة بين ما هو عليه الحال في المشرق من تردي فيما يخص المرأة وبين ما كان هو عليه الحال في الغرب. ولذلك فقد فتحت بطن التاريخ وعدت للوراء ثلاثمائة سنة فقط أي بداية القرن الثامن عشر, وبالذات في لندن العاصمة التي يفاخر بها الغرب بأنها من أعظم عواصم العالم وتعد محجا عالميا للثقافة والحضارة. وإليكم ما وجدت من العجب العجيب مما يتردى لأسوأ ما ساد في جاهلية العرب حول ما كانت عليه المرأة الغربية وكيف كانت. وقلت في نفسي سبحان الله قوم بهذا التاريخ في معاملة المرأة ينبغي لهم أن تخرس ألسنتهم للأبد فهم آخر من ينبغي أن يتكلم في حرية المرأة وفي كرامتها وإنسانيتها, وتاليا التفصيل بعد هذا الموجز.

من المعلوم والثابث تاريخيا, وبحسب مصادر مرجعية غربية, أن المرأة في الغرب لم تكن تتمتع بالكثير من الحقوق الإنسانية التي اكتسبتها فقط حديثا وقبل ما يقارب مائتين من الزمان فقط. فالمرأة البريطانية مثلا عاشت في القرن التاسع عشر ضمن أسر فقيرة وكبيرة العدد وكانت تعد أقل حظا من الرجل في العديد من الشؤون. وتشير المصادر التاريخية أنها ولغاية العام 1857 لم يكن بوسعها طلب الطلاق من زوجها, أي أنها أخذت "تأبيدة" إلى أن يفرق الموت بينهما بغض النظر عن ممارسات زوجها. ولغاية العام 1882 كانت كل ممتلكات المرأة البريطانية المتزوجة تنتقل قانونيا لزوجها, أي أنها وما تملك هي ملك لزوجها وهو حر التصرف بها. أما حق التصويت للمرأة البريطانية في تلك المجتمعات الغربية التي تتغنى بالديمقراطية التي عرفتها عرصات الإغريق القدماء منذ عهد أفلاطون وأرسطو وساحات "الأجورا", فلم تحصل عليه المرأة البريطانية إلا عام 1918 بعد الحرب العالمية الأولى وذلك فقط لمن جاوزت سن الثلاثين منهن. وبعد عشرة أعوام من الإعتصامات أمام البرلمان الإنجليزي لنسوة أطلق عليهن اسم (سافراقتس) أعطيت المرأة البريطانية حق التصويت في سن 21 أسوة بالرجل, في العام 1928 أي قبل أقل من مائة عام. وبالرغم من هذه الحقوق فقد واجهت المرأة البريطانية تمييزا عنصريا فيما يخص العمل وكان من الشائع طرد المرأة التي تتزوج, عدا عن الوظائف التي كانت المرأة ممنوعة من العمل فيها وتحتكر للرجال فقط, ناهيك عن صعوبة وندرة التعليم الجامعي للمرأة. ودام الحال كذلك إلى مطلع السبعينيات حيث أقر البرلمان الإنجليزي قوانين تتيح للمرأة المساواة بالرجل في العمل والدراسة وتحظر قانونا التمييز العنصري ضدها بسبب أنوثتها. وبالرغم من هذه القوانين, فلا تزال الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية البريطانية تشير إلى "تمييز خفي" ضد المرأة فيما يخص العمل, مما يجعلها تقبل على نوعيات معينة من الأعمال كالسكرتارية والعمل في المتاجر أو التدريس أو الصحة أكثر من غيرها من المهن. وقد حدثني مدير شركة انجليزي العام الماضي حيث عملت مستشارا مزدوجا لشركته ولجهة حكومية لمشاريع بالشرق الأوسط فقال لي: إنني كرب عمل أتفادى توظيف المرأة في شركتي, رغم أنني لا يمكنني التصريح بذلك صراحة. وذلك للقوانين التي أصبحت تعطي المرأة علاوات ولادة وإجازات حمل وولادة مما لا يعتبر مجديا إقتصاديا بالنسبة للشركة. ولذا فلم يكن بالشركة غير آنسة واحدة بين سبعة ذكور معينين رسميا, فيما كنت أنا ثامنهم كمستشار خارجي. هذه المعلومات من مصادر تاريخية وواقعية لواقع الحال في بريطانيا وبحسب تقارير وزارة الداخلية والتي تدرس رسميا, وهي عامة, وإليكم مزيدا من التفاصيل حول المكانة التي تدنت إليها وضع المرأة في الغرب تاريخيا وبأقلامهم هم لا بكتاباتنا نحن ك" مستغربين" أو شرقيين.

فقد وقع مؤخرا بين يدي كتاب يصف مدينة لندن في حوالي العام 1700 وصفا تفصيليا لمختلف مناحي الحياة الأجتماعية ومظاهر البيئة وما كان عليه الحال آنذاك. ومؤلفة الكتاب (مورين وولر) - الإنجليزية وخريجة جامعة لندن درست التاريخ الإنجليزي في الفترة المذكورة ونشرت كتابها (مشاهد من حياة لندن في العام 1700) والذي صدر في العام 2000 عن دار نشر انجليزية - كتبت مؤلفها بموضوعية علمية تصف أدق التفاصيل البشعة التي تنحدر دون مستوى المعاملة الإنسانية لدرجة أن القارئ يصاب بالذهول. وقد أعدت قراءة بعض الفقرات للتأكد أن النص لا يتكلم عن "بهيمة" أو شاة أو معزة, فمثلا لم يكن بإمكان المرأة الإنجليزية في تلك الفترة طلب الطلاق وفي المقابل كان بإمكان الزوج التخلص من زوجته إن شاء بتعليق ورقة في رقبتها وبيعها بالمزاد العلني في سوق سمثفيلد الشهير بلندن – هو الآن سوق للماشية وبه المسلخ المركزي. والفصل الذي سنقتبس منه أبرز ملامح تلك الفترة يقع أربعين صفحة تعالج فقط موضوع الزواج ووضع المرأة آنذاك.

فعلى ضفاف نهر التايمز القذرة آنذاك في مدينة لندن والممتدة من ليفربول ستريت وهولبورن كانت هناك أربعين بيتا معنية بالزواج, وأي زواج! زواج تجاري "سري" تدلل عليه العديد من النساء ذوات الخبرة بجذب معاطف المارة من الأغراب من الرجال, ليدلف الدالفون إلى أجواء معتمة تفوح منها رائحة الجعة وتتصاعد منها سحب دخان السجائر. وفي تلك الفترة لم يكن اللندنيون يعرفون ما إذا كانت الزيجات التي يرتبطون بها شرعية ام لا, فالزيجة الشرعية قانونا ينبغي أن تتم بين الساعة الثامنة صباحا ومنتصف اليوم وتعلن للملأ بحسب قوانين الكنيسة. أما بيوت الزواج المشبوهة هذه فكانت تربط المتزوجين بعقود من الزواج "السري" الذي – وبحسب المصادر التاريخية – ربط أكثر من ثلث تعداد سكان لندن آنذاك. وبهذا الزواج السري أقيمت علاقات غير شرعية مع الأقارب. فالخال الذي يود الإرتباط بابنة أخية المحرمة عليه يذهب معها لبيوت الزواج المشبوهة ويعقدان عقدا يوقع بخاتم الدولة الرسمي والذي يدخل السجلات الرسمية السرية. وكذلك الحال للزوجة التي أعجبها أخو زوجها, يرتبطان سريا ويذهبان لبيوت الزواج هذه. والقائمة لا نهاية لها من الخدم والجواري الذين حرم عليهم الزواج بحسب بنود عقود استعبادهم, إلى الأرامل اللواتي لا يرغبن بتقاسم الورثة أو فقدان ممتلكات في حال الزواج الشرعي مرة أخرى, إلى المتحابين اليائسين من الزواج الشرعي حيث القوانين الجائرة التي تمنعهما من الإرتباط بسبب فقرهما المدقع. وفي الحقيقة فقد عرجت مختلف طوائف لندن بشكل أو بآخر على بيوت الزواج السري المشبوهة في تلك البقعة القذرة من لندن على ضفاف التايمز لقاء مبالغ معلومة وتسعيرة متداولة ومكتوبة لتستمر هذه البيوت مفتوحة وهذه التجارة رائدة, ناهيك عن قصص الخلافات التي كانت تنتج "انصاف زيجات" أو يتم إلغاؤها كليا للخلاف على التسعيرة. فالسعر الرخيص كان بأهمية السرية والسرعة وبدون علم الأقارب أو الأصدقاء لإتمام الزيجة سواء بسواء. ونتيجة لهذه الزيجات السرية فقد كان من العسير على أحد الطرفين وبخاصة في حال الخصام اللجوء للمحاكم. وتعددت الزوجات السريات وتعدد الأزواج السريين فكان من الطبيعي آنذاك وجود أكثر من زوج للمرأة ولا يعرف بعضهم عن البعض الآخر شيئا, ومنهن (ماري ستوكس) التي شاعت قصتها والتي كان لها زوجين تزوجتهما في وقتين مختلفين في نفس بيت الزواج السري. هذه القصص هي غيض من فيض, وللحديث بقية وتفاصيل أخرى أكثر بشاعة في المقال القادم, نعقد بعدها مقارنات بين الشرق "المتخلف" بزعم المستشرقين ومن لف لفيفهم من أصحاب الأقلام المسمومة وبين غربهم المتقدم.




وليد السيد – لندن في 2008



المصادر:
1- Scenes from London Life – 1700, by Maureen Waller, published by Hodder & Stoughton, 2000.
2- Life in the UK, publication of Red Squirrel publishing under the approval of the Home Office

arch
06-12-2008, 09:31 AM
المقالة قد نشرت ايضا على هذا الرابط

المرأة بين الحرية الغربية والكرامة الإنسانية _ 1 _

http://www.palwriters.net/news.php?action=view&id=664


تقبل تحياتى دكتور وليد