مشاهدة النسخة كاملة : الجزء الثاني ::العمارة والعمران الصحراوي بين الاصالة والمعاصرة
امير ضهير
06-18-2007, 08:34 PM
التوجهات العامة للموضوع
1- الأصالة والمعاصرة وربطها بالجانب الاجتماعي والعمارة:
تعالت إشكالية العمارة العربية بين الحاضر والماضي ومنذ زمن غير يسير على طول امتداد الوطن العربي تنامت أزمة الفكر والثقافة من خلال عجزهم عن مجارات الإبداع، مما أدى إلى توسع الهوة بين هذا المخزون التراثي وبين العمارة المعاصرة، مما أوجد طرح قضية وهي أزمة الأصالة والمعاصرة في العمارة العربية الإسلامية.
أ- قضية الأصالة والمعاصرة:
لقد ارتبطت هذه القضية بالعديد من المفاهيم المتداخلة والمترابطة ثقافيا، إذ ترتبط هذه الثنائية اللفظية من قبل الباحثين والمفكرين على استعمالها جميعا على نفس المضمون، مما نجم عنه التباس حضاري مس مجال العمارة والعمران وأيضا شمل الهوية والخلط بين الماضي والحاضر.
ب- اتجاه الأصالة والمعاصرة:
لا ريب في أن هذا الاتجاه الذي يعتمد الاستنساخ عن النماذج الغربية لا يمكن أن يقودنا إلى مدن عربية إسلامية ذات نكهة جمالية تخصها، ذلك لأننا حاولنا استيراد الصالونات والأشكال المعمارية الغربية على نحو لا يجعل المتلقي الغربي نفسه يشعر بالاحترام لمدينتنا، خاصة وأنه يعلم جيداً بأن ما هو أمامه من عمارة إنما هو من فضائل حضارته على حضارة غير قادرة على ابتداع ما يخصها، وهي تتمثل في مقدرة على الدمج بين الأساليب ومواد الإنشاء الحديثة،وفي هذا الاتجاه تظهر مهارة المعماري الثابتة حيث عايش عصره ولم يفقد ذاته وقيمه، حيث يكون المبنى تغلب عليه المعاصرة وتكون لمسة الأصالة محدودة وفي هذا الاتجاه الأصالة هي الغالبة مع الحرص على إظهار المعاصرة وإما تكون بالعكس.
ج- الأصالة والمعاصرة والجانب الاجتماعي:
وتتمثل في نوعية العلاقات الاجتماعية الموجودة بين أفراد المجتمع وخاصة السلوك الفردي.
2- نموذج للمحافظة على التراث المعماري و العمراني:
يحتوي النموذج المقترح المحافظة على المناطق العمرانية القديمة وإعادة تأهيلها واستمرارها وتتابع النمط العمراني القديم في التنمية العمرانية الحديثة، ويفترض هذا النموذج أن يتبع النمط العمراني القديم بصورتي المحافظة (المحافظة مع الترميم و إعادة التأهيل) مع التركيز على مشاريع إعادة التأهيل العمراني وتكوين قاعدة اقتصادية لمثل هذه المناطق وهذا الاهتمام سوف يوفر أمثلة تخطيطية ومعمارية جيدة للتنمية العمرانية المستقبلية.
وبناءا على هذا الأساس يتكون النموذج من محورين متوازيين:
المحور الأول: يركز المحافظة على المناطق العمرانية القديمة بكل صوره.
المحور الثاني: و يركز على توجيه التصميم العمراني للمناطق الحديثة للاقتباس من المعايير التصميمية والتخطيطية للنمط العمراني القديم وذلك عن طريق تبني نظم بناء تعتمد على الأسس التصميمية لهذا النمط وكذلك على تفهم المصممين والمخططين لأسسه ومعاييره التصميمية.
وهذا النموذج يعمل على التكامل في عملية الحفاظ على التراث العمراني بين البيئة القديمة والحديثة، الأمر الذي يكفل باستمرارية القيم الحضارية وتقوية المعنى والهوية العمرانية.
I. خصائص المدينة العربية الإسلامية الأصيلة:
حيث تمت إقامة هذه المدن على أساس ومتطلبات الإنسان الأساسية ويعكس القيم الاجتماعية والمؤثرات الثقافية التي جاء بها الإسلام، ويوظف المواد المحلية للتغلب على الظروف الطبيعية السائدة.
وقد أردنا دراسة هذا النوع من المدن لاشتراك مدينة بسكرة معها في خصائص وعوامل كثيرة جدا، إضافة إلى طبيعة المناخ المقرح وتخطيطه.
العضوية:
إن المدينة تتأثر بسكانها أنها تحمل صفات المجتمع المسلم أي كالجسد الواحد المترابط الأعضاء والمتكامل الوظائف، وهي تتكون أساسا من ثلاث عناصر:
× المركز: وهو الجامع الذي يمثل قلبها النابض وله دورا في توحيد الأعضاء كما يقوم باستقطابها وهي هيكلتها وتنظيم حركتها.
× الأحياء: هي بمثابة جسدها الذي يستمد منه المركز طاقته وضرورة وجوده وماهيته.
× المسالك والأزقة: هي بمثابة الشرايين التي لا تتم الحركة إلا بها، وتقوم بإيصال الأعضاء مع بعضها البعض، وهكذا تبدو لنا كالجسد الواحد.
الوظيفية:
وكمنظومة اجتماعية لكل عضوية فيها دور، نجدها كذلك تتوزع فيها وفق التقسيم التالي:
× المركز: والمتمثل في المسجد الذي يقوم بالوظيفة الدينية والإدارية، والمصالح ذات الطابع الجماعي.
× المسالك: وظيفتها الاتصال والبط بين الأجزاء.
× المحيط: هو ما جاور المدينة حيث تكون الأسواق والمجالات الناعية وبعدها المزارع بوظيفة الشغل والعمال.
الانسجام:
تبدو المدينة العربية الإسلامية القديمة كنسق بين أجزائها ونسق وظيفي متكامل ذات تركيبة عمرانية نلمس بها الانسجام التام بين جزئها وكلها وفق التدرج الهرمي انطلاقا من الوحدة البنيوية الأساسية المتمثلة في الدار إلى وحدة الجوار ثم الحي وأخيرا المدينة.
فالوحدة الأساسية (الدار) تتجه نحو داخلها وتنفتح نحو السماء مشكلة بذلك واجهة داخلية مستترة على الفضاء الخارجي بجدران تكسبه حرمته وتفصل داخله عن خارجه، وتكملة لهذه الحرمة تستخدم السقيفة وهي نظام ربط الفضائين الداخلي والخارجي.
وبتجميع هذه الدور تنشا وحدة جوار بفراغها الخاص المتمثل في الدرب ومن مجموع الوحدات يتكون الحي الذي يشترك في فراغ خاص يسمى الرحبة بمثابة ومركز لهذا الحي وهذا الكل يمكن اعتباره كمدينة مصغرة تنفتح نحو السماء عن طريق الرحبة ومن مجموعة الأحياء تتكون المدينة المستترة بسورها.
ابو يوسف
06-20-2007, 02:56 AM
http://www.phroon.com/upload/file15/146686.jpg
المركزية:
تعتبر هذه الخاصية من أهم خصائص المدينة العربية الإسلامية القديمة عن طريق القلب النابض والعنصر البارز والمحرك للنشاط الحضري المتمثل في المسجد، ووفق تدرج هرمي نجد الأحياء متمركزة حول الرحبة ووحدات الجوار تتمركز حول الدرب.
http://www.phroon.com/upload/file15/257764.jpg
الشكل رقم (04): مبدأ المركزية في المدينة القديمة العربية الإسلامية.
الحرمة:
تمثل الحرمة الدلالة القصوى في إدراك تصميم الفراغ الإسلامي فهي الملك المصون للإنسان الذي يتمسك به ويتوق لحمايته، كما أن لكل فضاء حسب التدرج الهرمي المذكور آنفا حرمته الخاصة التي ترتفع حدتها كلما اتجهنا من أطراف المدينة نحو مركزها ويستمد كل فراغ روحه ويستوحي حرمته من مدى ارتباطه بالهدف الأسمى وهو عبادة الله.
الحدود:
تعتبر الجدران الخارجية حسب المفهوم الإسلامي الحد الرمزي لحرمة الفراغ شبيهة تماما بما يقوم به المصلي بوضع حائل أمامه حتى لا يقطع المار صلاته، فالجدران الخارجية للمسكن تعبر عن حرمته، كما هو الحال بالنسبة لسور المدينة.
في نهاية دراستنا للمدينة العربية الإسلامية، يتبين لنا بأنها جاءت نتيجة لحياة فرضتها الظروف الطبيعية والاجتماعية، وقد اعتمدت في ذلك على العناصر الأساسية المميزة لها، وهي تعبر عن عبقرية فذة، إضافة إلى مدى تفاعل الإنسان والطبيعة وتسخير قواها المختلفة لتحقيق أغراض ورغبات الحياتية رغم الظروف الطبيعية وهذا بأقل تكاليف.
III. دراسة العمارة و العمران المعاصرة في المدينة العربية:
تتميز المدينة العربية في المرحلة المعاصرة بمزيج من الأشكال والأنماط المعمارية والعمرانية المتباينة والبعيدة كل البعد عن البيئة والاحتياجات الإنسانية والمجتمعية، وهذا الكم الهائل من التشكيلات نمت نموا عشوائيا في كل مكان وأخذت أشكالا مختلفة، نجد من تأثر بالفكر الغربي ونظرياته والتي لا تتماشى مع قيمنا وتقاليدنا وديننا و مبادئنا، ومنه من حاول الرجوع إلى الماضي و الاقتباس منه ، دون النظر إلى خصائص كل عنصر ودوره في التشكيل، حيث أدى كل هذا إلى فقدان العمارة والعمران مقوماتهما الحضارية، حيث أصبح التغريب مبدأ يرمز إلى التقدم والتطور، وأصبحت العمارة العربية المعاصرة مجرد عنصر مضاف لاتعبر عن جوهر الفكر المعماري والعمراني لمجتمعنا الأصيل.
الاتجاهات الأساسية للعمارة العربية المعاصرة:
لقد اتخذت العمارة العربية المعاصرة عدة اتجاهات أساسية وهي:
عمارة استخدمت الطرز المعمارية الكلاسيكية الغربية.
عمارة غريبة الملامح والحلول التصميمية لا تتناسب مع البيئة (الاجتماعية، الثقافية، المناخية) الموجودة فيها.
محاولة إضفاء الملمح التراثي دون وعي بخصائص كل عنصر و علاقته بالتكوين.
عدة محاولات للتعبير عن العمارة البيئية تمثلت في استخدام القباب و القبوات و الفتحات الضيقة و المشربيات.
محاولة الربط بين الأصالة المعاصرة و البحث عن الهوية و الطابع المعماري والعمراني المميز و استخدام مفردات التراث المعماري و حلوله.
http://www.phroon.com/upload/file15/351236.jpg
الشكل رقم (05): العمران المعاصر في بعض المدن العربية الإسلامية
1-1 عمارة الطرز الكلاسيكية:
حاول البعض استخدام بعض الطرز الكلاسيكية في الأعمدة، مع استخدام بعض الزخارف و إضفائها إلى البناء الحديث. بل لقد حاول البعض استخدام طرز مجتمعه في بناء واحد. وباعتبار أن هذا الطرز تمثل العودة إلى الكلاسيكية.
1- 2 عمارة غربية الملامح:
تسابق المعماريون إلى نقل وتقليد أساليب الفكر الغربي نتيجة ارتباطه في الأذهان بالتقدم و التطور و المعاصرة، حيث نجد عمارات الزجاج و مباني الألمنيوم وغيرها من الحلول الغربية، دون وعي بأن هذه الأساليب لمجتمعات تختلف اختلافا كليا عن مجتمعنا، ولها فلسفة لا تتماشى مع مبادئنا وأفكارنا، و باستعمال طرق مختلفة عن موادنا المحلية، وقد أبهرتهم عظمة التكنولوجيا، فاهتموا بالمظهر دون الجوهر، فجاءت المباني غريبة عنا وعن مجتمعنا.
1- 3 اختفاء الملمح التراثي:
استخدم بعض المفردات التراثية كالعقود والأشكال المثبتة على الواجهات استخداما كليا، كما حاول البعض الآخر إخفاء هذه المفردات على مبنى معاصر قائم بالفعل، دون وعي بخصائص كل عنصر و علاقته مع التكوين، مما أوجد من الأساليب المتنافرة غير المتجانسة، فأوجد مسخا على الساحة المعمارية و العمرانية.
1- 4 العمارة البيئية:
ضعف المحاولات التي تجرى وراء شعار البيئة و التي بدأت في المرحلة المعاصرة، و رغم أن الفكرة مستحدثة إلا أن النتاج المعماري و العمراني اهتم بالشكل المتمثل في إضفاء المفردات البيئية أو المعالجات المناخية المتمثلة في مجموعة من القباب و القبوات و الفتحات الضيقة و المشربيات التي تختلف مواقعها من مكان إلى آخر، دون تقدير جاد للتقنية البيئية و الاقتصادية و الإنسانية التي أوجدت كل عنصر منها، ودون أي دراسة لجوهر الفكر الذي أبدعها، فلم تستطع أن تفي بالاحتياجات الوظيفية و البيئية.
1-5 محاولة إيجاد طابع معماري وعمراني:
قامت عدة محاولات للربط بين الأصالة والمعاصرة، و البحث عن الهوية والطابع المعماري والعمراني المميز ولكن هذه المحاولات استخدمت مفردات التراث المعماري وحلوله نتيجة ارتباط الأصالة بالعمارة التراثية، وقد نجحت بعض هذه المحاولات وفشلت بعضها، وغالبا ما كانت هذه المحاولات التي تدعي الأصالة تتجاوز مع محاولات أخرى متأثرة بالتبعية الفكرية للغرب، مما أدى إلى ظهور أشكال متنافرة و غريبة على الساحة المعمارية والعمرانية.
المؤثرات وأسباب فقدان الهوية للعمارة العربية المعاصرة:
وهي كثيرة نذكر منها:
1. حدة أزمة السكن مما أدى إلى وجود أنماط جديدة من التصميمات ذات طابع غربي.
سيادة الفكر الغربي على وحدة التعبير.
2. استخدام نظم الإنشاء الحديثة، منها الجاهز والبناء المصنع (الخرسانة، الشداة المعدنية...).
3. غياب القيم التي تربط المبنى بالإطار الاجتماعي (المبنى وعلاقته بالنسيج العمراني).
4. محاولة إيجاد طابع معماري وعمراني مميز دون دراسة، مما أدى إلى ظهور أشكال غريبة ومتنافرة.
5. البعد عن الاعتبارات الإنسانية والمجتمعية، حيث اضمحلت المشاعر والقيم والمبادئ التي تمد بصلة إلى الدين الإسلامي.
6. تأثير الظروف الاجتماعية للأسرة على شكل الوحدة السكنية.
7. ارتباط الفكر المعماري الأصيل عند البعض بالعمارة التراثية.
تأثير مشكلة السكن والظروف الاقتصادية والسياسة على العمارة العربية:
نتيجة التضخم السكاني الكبير الذي تعاني منه المدينة العربية الإسلامية، حيت تمكنت أساليب البناء الغربية السريعة أن تجد لها مكانا في السوق المحلية، فأصبح الغرب قادر على تغطية متطلبات الحياة وهي ذات فعالية في حل مشكلة السكن، دون النظر إلى قدرتها على تلبية المتطلبات الإنسانية والمجتمعية.
مما أدى إلى المدينة العربية الإسلامية تحت وطأة محاولة مشكلة السكن، وضغط الظروف الاقتصادية التي تعانيها في سباق كبير مع التخطيط العمراني والبناء في حالة اليأس، لذا تنجذب بقوة تطبيق أساليب التكنولوجيا الغربية لتامين النوعية المطلوبة من المباني خلال فترة وجيزة وبتكلفة اقتصادية معقولة دون تفهم حقيقي لعدم تلاؤم هذه التكنولوجيا مع مقوماتنا الحضارية.
ابو يوسف
06-20-2007, 03:00 AM
المحاولات المطروحة لإيجاد طابع معماري وعمراني:
إن مرحلة التبعية الفكرية القائمة على الانبهار ببريق الفكر الغربي وتقليده، قد ولّت وجلت وان مرحلة الرشد الفكري قد حلت، وان التحدي الذي يجابه المعماريين والعمرانيين هو أهمية التنسيق بين التراث واحتياجات المجتمع المعاصر دون اللجوء إلى التضحية بالخصائص الأساسية المتوارثة لحضارتنا.
ولذلك قامت مجموعة من المحاولات التي تستهدف الربط بين الأصالة والمعاصرة وخاصة بعد انتشار الوعي بضرورة تأصيل القيم الحضارية في العمارة والعمران المعاصر:
محاولة إيجاد طابع معماري وعمراني معاصر يستمد أصالته من الماضي ويرتبط بالاحتياجات الفعلية التي تتناسب هذه المحاولات مع الظروف البيئة والاجتماعية، والاقتصادية والإنسانية لمجتمعنا وعاداتنا وتقاليدنا.
محاولات اهتمت بالربط بين التراث والتطور التكنولوجي، فحاولت تطويع تكنولوجيا العصر لخدمة استنباط ملامح معمارية وعمرانية جديدة تتباين مع الملامح المعمارية والعمرانية التراثية.
التراث المعماري والعمراني وكيفية الاستفادة منه:
كانت العمارة في الماضي عمارة مجتمعية، تضع الإنسان في موقعه السليم في إطار المجتمع ومعطياته، وهي تنبع من الاحتياجات الإنسانية، تحددها مجموعة من المحددات كالخصوصية والوظيفية والتكافل الاجتماعي وعلاقات الجوار، والتآزر والمساواة وإنسانية العمل المعماري والعمراني، وانعكست هذه المحددات على التراث المعماري والعمراني بشكل واضح.
ففي المرحلة المعاصرة لا يمكن تجاهل الماضي، وهذا التراث الأصيل الذي استطاع أن يعبر بتلقائية عن الاحتياجات الفعلية للمجتمع، ولكن من الضروري مواجهة ومحاولة الاستفادة من دروس الماضي واستيعابها، ويكون ذلك بمحاولة قراءة التراث المعماري والعمراني قراءة متأنية، والتعرف على أشكاله وتحليله، وليس معنى أن يقبل الماضي قبولا مطلقا، ولكن أن نعترف بأصالته وبأنه مصدر أو سند الحاضر ، ومحاولة تخليص موروث الفكر المعماري من الشوائب السطحية التي علقت به من اتصال الحضارات وتفاعلاتها.
والمدخل إلى ذلك يمكن تحقيقه من خلال دراسة هذا الموروث بكل أبعاده وتحديد الركائز التي ارتكز عليها هذا التراث، واستخدام هذه الركائز كمدخلات وان كانت جزئية في تحديد المشكلة،ومحاولة الموصول إلى تكوين طابع مميز وتراث جديد من الموروث وتفاعله مع احتياجات المجتمع المعاصر.
الأسس المعمارية والعمرانية للعمارة العربية المعاصرة:
الأسس التي يجب أن تقوم عليها العمارة المعاصرة، أن تكون مستمدة من القيم والمبادئ الأساسية الناتجة من منابع الفكر الأصلية والدين الإسلامي، ويمكن أن نصل إلى ذلك إذا تناسينا الأشكال التراثية والبحث عن الدوافع أو الفكر الذي شكله والذي اوجد سلوكا اجتماعيا وعلاقات بين الأفراد، والتي انعكست على تكوين نسيج حضري متكامل، حيث ننظر إلى النتاج المعماري والعمراني من خلال عدة مستويات أساسية:
المبنى بوصفه بناء: مدى استجابته للجوانب الوظيفية والقيم الجمالية.
المبنى وعلاقته بالبيئة: العلاقة بين المبنى والبيئة المحيطة والتجانس بينهما.
المبنى وموقعه العمراني: علاقته ووضعه في النسيج العمراني.
المبنى ووضعه الحضاري: مدى توافق المبنى مع التراث الحضاري.
المبنى في السياق الدولي: مكانته بالنسبة إلى المدارس الفكرية والتيارات العالمية.
من خلال هذه المستويات للمبنى،لأمكننا أن نصل إلى عمارة معاصرة لانتظر إلى المبنى بوصفه بناء منفردا، ولكن لكونه جزءا من منظومة فراغية متجانسة، وتشكل في تكاملها عمارة مجتمعية تتجاوب مع النواحي الثقافية والإنسانية، والبيئية والاجتماعية والاقتصادية للحضارة العربية الإسلامية، ويمكن تحقيقها بإيجاد القاعدة المعمارية والعمرانية التي يجب أن يرتكز عليها النتاج في المرحلة المعاصرة.
خلاصة:
إن التراث المعماري والعمراني للحضارة العربية الإسلامية يحتوي العديد من الركائز التي ساعدت على تحقيقه للاحتياجات الفعلية للمجتمع الذي عاصره، لذا كان لا بد من محاولة إعادة قراءة هذا الموروث للاستفادة منه واستنباط خصائصه وتوجيهها إلى تكوين طابع معماري وعمراني معاصر يتسق في تكامله مع أصالة التراث ومتطلبات المجتمع المعاصر وتكنولوجيا عصره.
IV. دراسة بعض التجارب السابقة:
تمهيد:
إن هدفنا من هذه الدراسة مدى التعرف على الخطوات الأساسية في بعض النماذج التي ساعدت على التخفيف من حدة أزمة الهوية العمرانية أثناء عملية التهيئة و التنظيم للمشاريع المعمارية و العمرانية، وهي التي كان الفضل يعود فيها للمهندسين والمخططين الذين فهموا انه مع المحاولة يمكن تدارك الوضع، ونحاول أن نقتبس بعض الميكانيزمات التي نراها ايجابية وتساهم في نجاح مشروعنا وسنتناول نموذجين بشيء من التفصيل التي أعطت نتائجها ميدانيا خاصة في مراعاة خصائص المميزة للمجتمعات بالمجال العمراني:
النموذج الأول: على المستوى العالم وهي تجربة المهندس حسن فتحي (1941) بقرية قورنا الجديدة بمصر.
النموذج الثاني: على المستوى الوطني وهي تجربة المهندس بابا عمي احمد ، قصر تنمرين، ببني يزقن، غرداية.
1- تجربة المهندس حسن فتحي: (البناء مع الشعب)( )
كلف المهندس المصري "حسن فتحي" ببناء قرية كبيرة (عمارة الفقراء)، وبعد دراسة المجتمع الريفي وتقاليده ونشاطاته وطرق معيشته حيث اقترح حلولا ثورية، وبنيت قرية فائقة الجمال تمثل واحدا من اكبر المعالم المعمارية في العالم الثالث.
لقد اخترع عمرانا إنسانيا مستنبطا من التقاليد المحلية، وبين أن للمهندس المعماري القدرة على إحياء إيمان الريف بثقافته الخاصة، وبإبراز ما يستحق الإعجاب من الأشكال التقليدية المحلية، فالأسلوب الشعبي كان يجب أن يكشف وان يقتبس من جديد من خلال الصناعة التقليدية والمزج المحلي، فهو يقول " يجب من البداية أن تخلقوا بنائاتكم من الحياة اليومية لمن يعيشون هنا ".
وأهم ماميز في تجربته تمثل في:
الهندسة المعمارية والمجتمع:
يقول: " إني مقتنع بان لمظهر البيت اكبر تأثير على سكانه، وعلى تصاميمنا الجميلة، فإذا كانت التصاميم وفية لموادها ولمحيطها ولاستعمالها فستكون حتما جميلة ".
فللفرد، بيته الذي هو تمجيده وتمثاله الأكثر بقاء، سوف يتطابق في حجمه ومظهره مع تفاصيل شخصيته، سوف يكون بالتأكيد مكيف مع إمكاناته، وسوف تكون له كل المواصفات الناجمة عن مزاجه.
وهكذا فالقرية تتكيف ليس فقط مع عادات وتقاليد سكانها في العمل والتنزه بعدما تعيش فيها أجيال عديدة ولكن زيادة على هذا فهي تعكس مع نموها خصوصيات مجتمعها، فالآجر والملاط يكونان كلا حيا مع الثقافة ومع الصناعة التقليدية، فالبنايات تتخذ شكل المجتمع المتعدد الأبعاد، لذلك كان أول مشكل هندسي كبير بقورنا الجديدة هو وضع خطوط القرية، كانت نوعية الشوارع وعلاقات البيوت بين بعضها من المسائل الأكبر أهمية.
استخدام القبوات والقباب لأسقف مبانيه في هذه القرية باستعمال الطوب اللين دون استعمال الشداد الخشبية في تشييدها مما قلل تكاليف الإنشاء وسرعة التنفيذ.
قرابة الهياكل وتقاليد محلية:
إن حاجة الناس إلى حماية أنفسهم وأنعامهم من الطبيعة ومن غيرهم من الناس تنعكس في جعل أبواب بيوتهم تفتح نحو الداخل، متجهة نحو الوسط تستدير ظهرها نحو العالم الخارجي.
حينما يريد المهندس بناء قرية فانه يرتب البيوت بانتظام في شوارع مستقيمة ومتوازية، فهذا سهل لكنه ممل، ولكن ليس من الضروري أن نرتب البيوت هكذا، يمكن أن تجمع حول ساحة صغيرة وهذا لا يكلف أكثر من البيوت المصطفة ويحتوي بعض المميزات:
أولا: لأن الساحة تحافظ على التوجيه المعتاد نحو الداخل ثم إنها تعطي القرية شيئا من لطافة ورقة الحياة الحضرية، ويمكننا جمع البيوت حول أفنية أو ساحات صغيرة: ولن يكون الفناء مغلقا ولكن سيكون بالتأكيد مفتوحا على الشارع بحيث يصبح ملكا عموميا.
وثانيا: أعتقد أن الأفنية والساحات عناصر هندسية ذات أهمية كبيرة، وهي تحمل بصمة محلية، وهي في الواقع أكثر أصالة من الآخرين، وأي فضاء لا يحتوي على هذه الأصالة سوف تستحيل إعادة طبيعته التقليدية بأي زخرفة كانت فيما بعد.
هاته هي الأسباب الرئيسية التي جعلتني اخطط البيوت بفناء داخلي ولن يكفي أن يكون لكل بيت فناء داخلي، لكن ترتب كل مجموعة بيوت، بحيث يشمل فناء نصف عمومي.
والأكثر أهمية بالنسبة إلي هو التأثير على الإنسان الذي يخرج من غرفة منزله ثم يعبر الفناء الداخلي ثم يصل إلى الساحة التي هي اكبر و لكنها مغلقة، ثم أخيرا إلى الطريق العمومي، أن هذا المرور أكثر هدوءا من الانغماس الفجائي انطلاقا من اختلاء الغرفة إلى ازدحام الشارع.
الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية:
مع إننا لم نكلف إلا ببناء مجمع جديد من البيوت لم يسمح لنا الضمير أن نتجاهل قضية وسائل المعيشة للقورنيين بعد ترحيلهم، فهذا مشكل المهندس المعماري إلى درجة كبيرة لان وسائل المعيشة تؤثر على رسم البيوت والبناءات العمومية.
وأول شيء بديهي هو أن القورنيين لن يستطيعوا أبدا العيش من الأراضي المحيطة وحدها، لذلك كان جزء حيوي من المشروع يرمي إلى توسيع موارد القورنيين بأنشطة تجارية ، في الحقيقة لم يكن البناء ممكنا دون مساعدة مالية لكن لو انطلقت كل هذه الأنشطة بالقرية لوفرت في الحين أفضل حياة للسكان لان غنى حضارة مرهون بجمال أدوات الحياة اليومية للشعب وتقاليده وليس بسعر أملاكه.
http://www.phroon.com/upload/file15/464578.jpg
الشكل رقم (06): مسكن تقليدي بمدينة قورنا (عمارة الفقراء)
حسن فتحي - مصر-
ابو يوسف
06-20-2007, 03:01 AM
وفي الأخير أتمنى أن تكون قورنا دالة على الطريق الذي يجب إتباعه نحو مستقبل حي في البناء وان آخرين سيواصلون التجربة ويوسعونها، وأخيرا يقيمون حاجزا ثقافيا أمام الهندسة المعمارية الحالية.
2- تجربة المهندس بابا عمي احمد – قصر تنمربن – بني يزقن ،غرداية:
هذه التجربة الفريدة من نوعها والمتمثلة في حل مشكلة السكن بأقل تكلفة وهذا بانجاز 70 مسكن فردي تقليدي معاصر من طرف المهندس بابا عمي احمد "وهو عضو بالمجلس الشعبي الولائي بغرداية" حيث كان هدفه من خلال المشروع:
بناء سكنات اجتماعية لائقة وذات نوعية بأقل تكلفة للمعوزين، مع الحفاظ على الطابع المعماري والعمراني المحلي.
الاستعمال العقلاني للمساهمة المقدمة من قبل الدولة فيما يخص مواد البناء.
إعادة الاعتبار للتقاليد القديمة الموروثة عن الأجداد ألا وهي:
التطوع: لتاطير العملية من كل جوانبها.
التويزة: لكل المستفيدين داخل الورشة في يوم الراحة الأسبوعية.
إشراك المستفيد بمساهمة متواضعة، بالنسبة للسكن المنجز.
إيجاد مناصب شغل جديدة.
بعض النقاط المميزة في المشروع:
المخطط الإجمالي وكذا مخططات السكنات الهندسية المعمارية والمدنية تعد في عين المكان من طرف رئيس المشروع تدريجيا، مع تقدم المشروع وهذا تبعا لمختلف العوائق الطبوغرافية وغيرها وبذلك يكون لكل مسكن مخطط خاص به وشخصية مختلفة عن الأخرى، ولقد سعى في الاستعمال الأقصى لمواد البناء المحلية (حجر، جبسن، جير،...الخ ) وهذا لاعتبارات مناخية ومالية.
ونلخص هذه النقاط فيما يلي:
لا توجد أية مقاومة للانجاز في الورشة ولا حتى مكتب الدراسات
يتركز التنظيم وتسيير للمشروع كليا على رئيس المشروع بصفة تطوعية بمساعدة ممثلي الجمعيات التويزة (المجتمع المدني).
أسندت عملية اختيار وتنظيم المستفيدين كليا إلى العشائر التي تتشكل منها مدينة بني يزقن.
وصف السكنات:
سكن فردي مساحته بين (100 و 110 م2) مع سطح فردي يمكن للمستفيد استغلاله وكل مسكن يتكون من:
* 03 إلى 04 غرف.
* وسط الدار.
* مطبخ.
* غرفة الحمام.
* أدرج مؤدية إلى السطح.
* ساحة (حوش).
وتتمثل الأشغال التي تنجز في:
أ- الأشغال الكبرى:
الأشغال الكبرى للطابق الأرضي.
جدار السطح بالبناء الصحراوي.
التشبيك صحراوي.
طلاء داخلي وخارجي.
ب- الأشغال الثانوية:
تتمثل أساسا في انجاز ما يمكن أن يفيد للسكن في الظروف لائقة ومحترمة.
وفي الختام نشير إلى أن المشروع لقي نجاحا وإقبالا من طرف السكان المحليين والسلطات المحلية والمركزية وحتى العالمية وهو خير دليل على النتيجة المتحصل عليها.
خلاصة:
إن المهندس أو المخطط في مجال العمران إذا أعطيت له الحرية حتما سيبدع في مجال تخصصه ذلك لأنه يحمل رسالة نبيلة، ويصبو لتحقيق غاية جميلة، فقد امتزج ميدان عمله بين خدمة مجتمعه بصفة خاصة والإنسانية عامة مع إبداعه الفني.
حيث أن هدفه في التصميم وتخطيط المشاريع العمرانية يكون على أساس القيم الحضارية للعمارة التقليدية، مع الأخذ بعين الاعتبار المميزات التكنولوجية، وتحقيق المتطلبات المعيشية المتطورة لسكانها والتفكير في الأسلوب المناسب الذي يجمع بين السلم الإنشائي والآلي، ويربط بين عناصر الزمن والفضاء والمكان في التشكيل العمراني العام للمدينة.
انتهى الفصل الاول
وفي الجزء الثالث ان شاء الله الفصل الثاني
تحياتينا للجميع
المهندس ياسر دياب
06-21-2007, 04:15 AM
http://www.m5zn.com/uploads/c47f5c3ef3.gif
http://www.4zz.net/up/uploads/75c26c78b8.gif
معمارية
06-26-2007, 07:34 AM
السلام عليكم وصبحكم الله بالخير إخوتي الأكارم
أعجبني هذا الحوارالفكري حول المدينة وقضية الأصالة و المعاصرة
فبوركت جهودكم جميعا
إلا أنني أريد أن ألفت النظر إلى قضية غاية في الأهمية من وجهة نظري على الأقل
وهي أنني أرى أن دراستنا للعمارة التراثية أو المدينة التقليدية
كما يعرفها الدكتور جميل عبد القادر أكبر في كتابه الموسوعة عمارة الأرض في الإسلام
، ينبغي أن تبحث عن مكامن الثوابت les constantes فيها والتي يفترض أن تعاد
صياغتها معماريا وعمرانيا حسب ظروف العصر وباستغلال مواد البناء المبتكرة التي
تسمح بتطوير هذه الثوابت وجعلها أكثر ثباتا ورسوخا .
ولا تغفل بأي حال من الأحوال البحث عن المتغيرات les variables
التي تتغير طبيعيا حسب تغير المكان والزمان .
دمتم باحثين
Powered by vBulletin™ Version 4.1.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir