arch
09-26-2008, 11:27 AM
اشكاليات تعاطي الاخر مع -الآخر- : العمارة نموذجا -1-
خالد السلطاني
ksultany@yahoo.com
تهتم الدراسة في تمجيد الحوار الثقافي المرموق بين الذات والاخر ، من خلال متابعة اكتشاف " الذات " لاهتمامات " الاخر " ، فيما يخص رؤية الاخير لـ " الاخر " المختلف ثقافيا وجغرافيا واثنيا ؛ وكيفية تعاطيه لحل اشكالات الفهم الخاص والمتفرد للارث الحضاري المغاير ، مع الحرص على توظيف مقاربات فكرية غير مسبقة تنشد رؤية الحدث كما هو ، لا كما يتعين له ان يكون ، وعبر " ميكانيزم " مفهوم " التأويل " الذاتي ، المؤسس لفعل الحوار الحضاري الرفيع ؛ والذي تعود نتائجه التطبيقية بفائدة ابستمولوجية و مهنية ايضا ،على كلا طرفي الحوار ؛ " حوار " – طالما كان حضوره في المشهد الثقافي الاقليمي، سببا لتقييمات متنوعة ومتباينة ؛ ولهذا فان الدراسة تسعى الى تسليط الضوء على اهمية ذلك الحوار البناء ، الذي منه يستمد الابداع الحقيقي مرجعيات متعددة ومتجددة له .
نالت المنطقة العربية او ما يعرف بمنطقة الشرق الاوسط ، اهتماما خاصا من قبل الغربيين وتحديدا الاوربيين منهم ، كونها المنطقة الاقرب الى قارتهم جغرافيا ًاولا ، وثانيا ان معظم دول المنطقة الحالية كانت يوما ما خاضعة للنفوذ الاستعماري الاوربي ، الامر الذي حتم وجود علاقات جبرية مع الدول الاوربية . ولئن صاغت " المركزية الاوربية " في السابق ، منظومة تراتبات هرمية للعلاقة مع الاخرين ، ولاسيما في الجانب الثقافي منها ،( وهومجال اهتمامنا الحالي لشمول العمارة في ذلك الجانب )، مانحة نفسها مشروعية " سلطة " اعتبار المعايير الاوربية وقيمها كنموذج وحيد ومحدد للتمدن والتحديث ، فان اشكال القطيعة الثقافية مع الغرب التى مارستها " الانتلجينسيا " الوطنية التى اضطلعت بمهام الحكم اثرالاستقلال السياسي عن الدول الاوربية الاستعمارية ، وسعيها وراء هدف تثبيت الهوية الوطنية والقومية متوسلة لبلوغ ذلك الهدف بارتداد ماضوي ، اعتبرته وسيلة وحيدة ناجعة لتحقيق تلك القطيعة ، نجم عنه بان وجد دعاة القطيعة انفسهم في مأزق حقيقي وتناقض قاس ٍ مع مفردات الحياة اليومية لشعوبهم ، تلك المفردات المؤسسة للبناء المعرفي والذي تكون ّ معظمه على المعارف والعلوم الغربية ، فضلا على ان معظم المؤسسات الاقتصادية والسياسية المشكلة للجهاز الحكومي للغالبية من تلك الدول ، تدين بوجودها الى الانظمة والمؤسسات التى ابتدعها الغرب ذاته ، الامر الذي يجعل من المستحيل اقامة قطيعة مماثلة بينها وبين نظيرتها في الغرب كما يود ويأمل مروجو تلك الاطروحة .
وقد نتج عن دعوات القطيعة والانغلاق والتجاهل التى مارسها بعض الحكام " الوطنيين " تجاه الثقافة الغربية عموما والاوربية على وجه الخصوص ، نتائج عكسية لم تسفر سوى ارساء مفاهيم " وهم " الذات المتعالية المتوهمة بالصفاء والنقاء ، وتكريس " الاخر " كحالة معادية تستوجب الحذر والتوجس والرهاب منه ، كما ساهمت تلك الدعوات الى ترسيخ " ايديولوجيا " الغاء الاخر المختلف ، وعدم الاعتراف به وبمنجزه ، وانتشار" ثقافة " ممارسة القرارات المسبقة التى لا تستند على معرفة حقيقية به ، ولا مهتمة في محاولة ادراك كنه مشروعه الثقافي .
وفي مواجهة تينك المقاربتين ، اللتان نراهما مغلقتين : المقاربة الاولى التائقة الى صوغ معايير ثقافية معينة رأيناها تستند الى مرجعية محددة ووحيدة ، وساعية الى فرض قيمها على الاخرين من دون مراعاة ظروف الزمان والمكان ؛ والثانية الرافضة " للاخر " ابتداءا ، كما اشرنا ولا تعترف بمنجزه ، والغاصة حتى اذنيها باطروحة تثبيت " الهوية الوطنية او القومية " المتكئة على منظومة قيم مترعة في " ماضويتها " و " متطلعة " الى الزمن السالف كمصدر وكمرجعية وحيدة لتشكيل تـلك المنظومة ؛ في مواجهة تلك الحالة نشأت الحاجة الى تقصي مقاربة آخرى ، مقاربة مبنية على التفاعل الثقافي ،والتعاطي بمعيار تكافؤ الخصوصيات الثقافية المتنوعة ، والابتعاد قدر الامكان عن ممارسة الالغاء والاقصاء والاختزال جانبا ً ، والحرص على فهم " الاخر " وثقافته وبالتالي عمارته ، من دون حاجة لهيمنة ولاعادة انتاج القيم الثقافية / المعمارية اياها ؛ او التشبث بنزعة الانطواء واهمال " الاخر " وتجاهل منجزه الثقافي / المعماري . وقد ساهم في تسريع ايجاد تلك المقاربة وأكد حضورها في المشهد الثقافي العالمي ، مسعى تيارات ما بعد الحداثة الى تأسيس كيان معرفي متكامل ، يتوافق منجزه مع ظهور واقع جديد وملموس متشكل بفضل النجاحات التى احرزتها الثورة العلمية – التكنولوجية، ووفرة المعلومات وتزايد الاتجاه نحو العولمة .
لم يكن ظهور المقاربة " الثالثة " في الخطاب الثقافي العالمي رهين فترة السنين القليلة الماضية مع ان الفترة الاخيرة هي التى ابانت بشكل صريح ومباشر خصوصيات تلك المقاربة وسماتها الواضحة . والامر الاكيد بان حضورها الثقافي / المعماري البليغ في الوقت الراهن ، يرجع الى ارهاصات سابقة ، شاب ظهورها كثيرا من التشتت والتباعد ، واشتغل على ثيمتها مبدعون في اوقات مبكرة جدا ً .
يمكن لمتتبع مسار المقاربة الجديدة ان يلحظ ثمة خصائص معينة ومحددة انطوت عليها تلك الفعالية الابداعية. لم تكن تلك الخصائص متمثلة في مثال معين حصرا ، وانما يمكن رصدها في جملة امثلة متفرقة ومتعددة ، شكلت بمجموعها ظاهرة المقاربة التى نتكلم عنها ، ونحاول هنا قدر المستطاع تثبيت بعضا ً منها ، كي يمكننا ، لاحقا ، بموضوعية ان ندرك اهمية وقيمة النشاط المعماري الذي نشأ في المنطقة العربية والمصمم من قبل آخرين ، وتحديدا الغربيين منهم . ونحن هنا نسقط بتعمد الفعالية التصميمية التى انحازت الى الاتجاه الاول التى تكلمنا عنها سابقا ً ، تلك المقاربة المستندة على محاولات فرض القيم المعمارية الخاصة بها والتى تستقي مرجعيتها التصميمية من ما يسمى " بالمركزية الاوربية " وقيمها ومبادئها على خصوصية فضاءات بيئية وثقافية مختلفة عنها ومغايرة لها ، ، والتى في الحقيقة لم يقدر لها ان تثري المشهد المعماري بامثلة تصميمة رصينة تغري في الاحتذاء والمحاكاة .
يتطلع الجهد المعماري الذي نتكلم عنه الى ممارسة نوع من تغاضٍ ، وحتى تنصل عن مساعي اقامة تراتب هرمي Hierarchy بين الثقافات ، معترفا باهمية وقيمة منجز الثقافات " الاخرى " ، بعيدا عن الحكم عليها او تقييمها بمنظور يعتمد على قيم جمالية خاصة . وهذا الجهد الثقافي هو الذي يدفع بالمعماريين على وجه الخصوص للتعاطي مع مفهوم العمارة خارج اقانيم Hypostasis علم الجمال الكلاسيكي الذي سادت سلطته في الخطاب الفلسفي الغربي لفترات طويلةً . من هنا تبدو تلك المحاولة وكأنها كشف جديد لمنظور آخر غفل عنه النقاد من قبل ، وبالتالي اضحى من الضرورة بمكان التعاطي مع العمارة بوصفها منتجا ليس فقط متشكلا وفقا لاشتراطات علم الجمال الكلاسيكي ، وانما بوصفها صنيعا مشغولا بالاضافة الى القنوات المعرفية المؤسساتية ، فانه ناتج ايضا عن تظافرمجموعة عمل الاجناس الابداعية الاخرى مثل الفنون البصرية والموسيقى الشعبية والفن الشعبي وحتى الفن الشفاهي ،التى تشترك جميعا بذائقتها الفنية وفطنتها المكتسبة عبر قرون من التجريب في ارساء وتحقيق ذلك الصنيع ؛ بعبارة اخرى يتأسس صنيع العمارة المهجنة من حضور " فرشة " مفاهيم متنوعة ، مفاهيم ما انفكت تتشكل بصورة دائمة طالما كانت هناك جماعات بشرية تبتغي التفاعل فيما بينها ، وتغتني باضافات مهمة من ذلك الخزين الذي يرفد العمارة والثقافة بقيم معرفية جديدة . من هنا تتكشف وتتبلور خاصية تكوينية جديدة طبعت الناتج المعماري بطابع خاص ، تميز به منجز المقاربة الثالثة ، وهذه الخاصية معنية بجعل تشكيلات الناتج المعماري غير مشروطة بحضور القيم الجمالية والمتطلبات الوظيفية والقواعد الانشائية لوحدها فقط ، كما كان الامر متعارفا عليه من قبل ، وانما تجعل ذلك المنتج وليد اشتراطات معرفية عديدة ومتباينة في اختصاصاتها بضمنها المعارف البيئية والتاريخية والانثروبولوجية وعلوم الاجتماع والاقتصاد السياسي .
تنزع رؤى المعماريين المهتمين بالمقاربة الثقافية التى نحن بصددها ، والتى دعوناها بالمقاربة الثالثة ، الى التعاطف ومن ثم القبول بنتائج فعالية التهجين المعماري ، الفعالية المعنية بتراكب مرجعيات ثقافية مختلفة ،لانتاج منجز معماري جديد غالبا ما تكون لغته التصميمية على ايدي المعماريين الجادين ذا حضور مميز في الخطاب المعماري ، جراء انتماء عناصره التكوينية الى خصوصية اجواء الثقافات المشاركة في عملية التهجين ؛ لكننا يتعين ان نشير بان بلوغ ذلك المنجزالمتفرد كان دائما رهنا ً بحضور حالتين ، أولهما التحقق من عدم تسييد او أفضلية ثقافة على آخرى ، وثانيا التسليم بظاهرة اوجه الاختلاف بين تلك الثقافات ، ليتسنى بعد ذلك الدنو بسلاسة الى تخوم المشاركة الفعالة . ويعد حضور هاتين الحالتين ، امرا ً لا مندوحة منه لجهة اتمام مهام عملية التثاقف بصيغتها الابداعية.
من جانب آخر ، تغدو ظاهرة الانزياح المعماري نحو " الجنوب " ، التى نرصد موجتها الواسعة الان والتى بدأت حركتها في العقود الاخيرة الماضية ، وكأنها تؤسس لمنتج معماري بخصائص معينة تتجاوز المرجعيات التى شكلتها طبيعة الثقافات الوطنية والقومية . بمعنى آخر ، ان المنتج المعماري الجديد وان انتمى الى خصوصيات ثقافية معينة ومختلفة ، فانه في ذات الوقت يسعى الى تجـاوزها فـي آن واحد . وهذا المنهج المركب الجدلي الذي يعتمد على مفهوم " الانتماء والتجاوز " ، هو الذي يسم الفعالية الابداعية الخاصة بالمقاربة الثالثة بسمة الفرادة والتميزّ . فمن جهة يحرص المعماريون الغربيون العاملون في مناطق غير غربية ،( وكذلك المعماريون غير الغربيين العاملين في بلاد اخرى غير بلادهم ) الى ان تكون قراراتهم التصميمية منسجمة مع تنظير مستقى من خزين معرفي وجمالي محدد . بيدان توظيف مثل تلك القرارات اياها في فضاءات آخرى ، وفي مواقع مغايرة كان يتطلب في كثير من الاحيان تصويبا وتعديلا مستمرين لسنن ذلك التنظير واشتراطاته ؛ اي ان ثمة حراك لجدلية دائمة تتجاذب نوعية القرارات المنتمية الى اصول معرفية معينة ، من ناحية ، ومن ناحية آخرى ، هناك الرغبة في مواءمة تلك القرارات مع اشتراطات المكان الجديد والعمل على انسجامها مع طبيعة المناخ والبيئة الثقافية المغايرة ، ويتم ذلك من خلال تجاوز " دوغماتية " التشبث النصي في ادراك مفهوم تلك القرارات وعدم التسليم بمصداقيتها المطلقة .
ثمة ممارسة ممّيزة يمكن رصدها في بعض اعمال المعمارين الغربيين العاملين في المناطق الجنوبية . وتشغل الان تلك الممارسة حيزا ملموسا من النشاط المعماري الذي نتكلم عنه . كثيرا ما تنطوي سمات تلك الممارسة المعمارية على مبالغة في تأكيد عناصر تكوينية محددة ، تكون عادة مستلة من مفردات لغة العمارة التقليدية وتوظيفها بصورة مغالية في الحلول التصميمية للمباني المشيدة في تلك المناطق ، توخيا ، كما يطمح مصمموها الى تأكيد خصوصية المكان ، ونكهته و "روحه " . بيد ان النتائج المعمارية المترتبة جراء تلك الممارسة ، والمعتمدة اساسا على الفهم السريع والسطحي لثقافة الاخر ، وعدم التمييز ماهو اصيل و " شعبوي " ، يجعل من تلك الممارسة ، التى يلجأ اليها العديد من المصممين والحائزة على تقبل محسوس من قبل بعض المستفيدين ، يجعل منها نوعا من الاستطرادات التوليفية الحافلة بالعناصر " المَعَـارضَة " الباستيشية Pastiche الرخيصة . وسوف لا نعير اهتماما كثيرا لتلك الممارسة ، نظرا لخواءها التكويني ، وحصر اهتمام " منجزها " في الاعلاء من غرائبية الفعالية البنائية والالحاح في تمجيد شعبويتها .
خالد السلطاني
ksultany@yahoo.com
تهتم الدراسة في تمجيد الحوار الثقافي المرموق بين الذات والاخر ، من خلال متابعة اكتشاف " الذات " لاهتمامات " الاخر " ، فيما يخص رؤية الاخير لـ " الاخر " المختلف ثقافيا وجغرافيا واثنيا ؛ وكيفية تعاطيه لحل اشكالات الفهم الخاص والمتفرد للارث الحضاري المغاير ، مع الحرص على توظيف مقاربات فكرية غير مسبقة تنشد رؤية الحدث كما هو ، لا كما يتعين له ان يكون ، وعبر " ميكانيزم " مفهوم " التأويل " الذاتي ، المؤسس لفعل الحوار الحضاري الرفيع ؛ والذي تعود نتائجه التطبيقية بفائدة ابستمولوجية و مهنية ايضا ،على كلا طرفي الحوار ؛ " حوار " – طالما كان حضوره في المشهد الثقافي الاقليمي، سببا لتقييمات متنوعة ومتباينة ؛ ولهذا فان الدراسة تسعى الى تسليط الضوء على اهمية ذلك الحوار البناء ، الذي منه يستمد الابداع الحقيقي مرجعيات متعددة ومتجددة له .
نالت المنطقة العربية او ما يعرف بمنطقة الشرق الاوسط ، اهتماما خاصا من قبل الغربيين وتحديدا الاوربيين منهم ، كونها المنطقة الاقرب الى قارتهم جغرافيا ًاولا ، وثانيا ان معظم دول المنطقة الحالية كانت يوما ما خاضعة للنفوذ الاستعماري الاوربي ، الامر الذي حتم وجود علاقات جبرية مع الدول الاوربية . ولئن صاغت " المركزية الاوربية " في السابق ، منظومة تراتبات هرمية للعلاقة مع الاخرين ، ولاسيما في الجانب الثقافي منها ،( وهومجال اهتمامنا الحالي لشمول العمارة في ذلك الجانب )، مانحة نفسها مشروعية " سلطة " اعتبار المعايير الاوربية وقيمها كنموذج وحيد ومحدد للتمدن والتحديث ، فان اشكال القطيعة الثقافية مع الغرب التى مارستها " الانتلجينسيا " الوطنية التى اضطلعت بمهام الحكم اثرالاستقلال السياسي عن الدول الاوربية الاستعمارية ، وسعيها وراء هدف تثبيت الهوية الوطنية والقومية متوسلة لبلوغ ذلك الهدف بارتداد ماضوي ، اعتبرته وسيلة وحيدة ناجعة لتحقيق تلك القطيعة ، نجم عنه بان وجد دعاة القطيعة انفسهم في مأزق حقيقي وتناقض قاس ٍ مع مفردات الحياة اليومية لشعوبهم ، تلك المفردات المؤسسة للبناء المعرفي والذي تكون ّ معظمه على المعارف والعلوم الغربية ، فضلا على ان معظم المؤسسات الاقتصادية والسياسية المشكلة للجهاز الحكومي للغالبية من تلك الدول ، تدين بوجودها الى الانظمة والمؤسسات التى ابتدعها الغرب ذاته ، الامر الذي يجعل من المستحيل اقامة قطيعة مماثلة بينها وبين نظيرتها في الغرب كما يود ويأمل مروجو تلك الاطروحة .
وقد نتج عن دعوات القطيعة والانغلاق والتجاهل التى مارسها بعض الحكام " الوطنيين " تجاه الثقافة الغربية عموما والاوربية على وجه الخصوص ، نتائج عكسية لم تسفر سوى ارساء مفاهيم " وهم " الذات المتعالية المتوهمة بالصفاء والنقاء ، وتكريس " الاخر " كحالة معادية تستوجب الحذر والتوجس والرهاب منه ، كما ساهمت تلك الدعوات الى ترسيخ " ايديولوجيا " الغاء الاخر المختلف ، وعدم الاعتراف به وبمنجزه ، وانتشار" ثقافة " ممارسة القرارات المسبقة التى لا تستند على معرفة حقيقية به ، ولا مهتمة في محاولة ادراك كنه مشروعه الثقافي .
وفي مواجهة تينك المقاربتين ، اللتان نراهما مغلقتين : المقاربة الاولى التائقة الى صوغ معايير ثقافية معينة رأيناها تستند الى مرجعية محددة ووحيدة ، وساعية الى فرض قيمها على الاخرين من دون مراعاة ظروف الزمان والمكان ؛ والثانية الرافضة " للاخر " ابتداءا ، كما اشرنا ولا تعترف بمنجزه ، والغاصة حتى اذنيها باطروحة تثبيت " الهوية الوطنية او القومية " المتكئة على منظومة قيم مترعة في " ماضويتها " و " متطلعة " الى الزمن السالف كمصدر وكمرجعية وحيدة لتشكيل تـلك المنظومة ؛ في مواجهة تلك الحالة نشأت الحاجة الى تقصي مقاربة آخرى ، مقاربة مبنية على التفاعل الثقافي ،والتعاطي بمعيار تكافؤ الخصوصيات الثقافية المتنوعة ، والابتعاد قدر الامكان عن ممارسة الالغاء والاقصاء والاختزال جانبا ً ، والحرص على فهم " الاخر " وثقافته وبالتالي عمارته ، من دون حاجة لهيمنة ولاعادة انتاج القيم الثقافية / المعمارية اياها ؛ او التشبث بنزعة الانطواء واهمال " الاخر " وتجاهل منجزه الثقافي / المعماري . وقد ساهم في تسريع ايجاد تلك المقاربة وأكد حضورها في المشهد الثقافي العالمي ، مسعى تيارات ما بعد الحداثة الى تأسيس كيان معرفي متكامل ، يتوافق منجزه مع ظهور واقع جديد وملموس متشكل بفضل النجاحات التى احرزتها الثورة العلمية – التكنولوجية، ووفرة المعلومات وتزايد الاتجاه نحو العولمة .
لم يكن ظهور المقاربة " الثالثة " في الخطاب الثقافي العالمي رهين فترة السنين القليلة الماضية مع ان الفترة الاخيرة هي التى ابانت بشكل صريح ومباشر خصوصيات تلك المقاربة وسماتها الواضحة . والامر الاكيد بان حضورها الثقافي / المعماري البليغ في الوقت الراهن ، يرجع الى ارهاصات سابقة ، شاب ظهورها كثيرا من التشتت والتباعد ، واشتغل على ثيمتها مبدعون في اوقات مبكرة جدا ً .
يمكن لمتتبع مسار المقاربة الجديدة ان يلحظ ثمة خصائص معينة ومحددة انطوت عليها تلك الفعالية الابداعية. لم تكن تلك الخصائص متمثلة في مثال معين حصرا ، وانما يمكن رصدها في جملة امثلة متفرقة ومتعددة ، شكلت بمجموعها ظاهرة المقاربة التى نتكلم عنها ، ونحاول هنا قدر المستطاع تثبيت بعضا ً منها ، كي يمكننا ، لاحقا ، بموضوعية ان ندرك اهمية وقيمة النشاط المعماري الذي نشأ في المنطقة العربية والمصمم من قبل آخرين ، وتحديدا الغربيين منهم . ونحن هنا نسقط بتعمد الفعالية التصميمية التى انحازت الى الاتجاه الاول التى تكلمنا عنها سابقا ً ، تلك المقاربة المستندة على محاولات فرض القيم المعمارية الخاصة بها والتى تستقي مرجعيتها التصميمية من ما يسمى " بالمركزية الاوربية " وقيمها ومبادئها على خصوصية فضاءات بيئية وثقافية مختلفة عنها ومغايرة لها ، ، والتى في الحقيقة لم يقدر لها ان تثري المشهد المعماري بامثلة تصميمة رصينة تغري في الاحتذاء والمحاكاة .
يتطلع الجهد المعماري الذي نتكلم عنه الى ممارسة نوع من تغاضٍ ، وحتى تنصل عن مساعي اقامة تراتب هرمي Hierarchy بين الثقافات ، معترفا باهمية وقيمة منجز الثقافات " الاخرى " ، بعيدا عن الحكم عليها او تقييمها بمنظور يعتمد على قيم جمالية خاصة . وهذا الجهد الثقافي هو الذي يدفع بالمعماريين على وجه الخصوص للتعاطي مع مفهوم العمارة خارج اقانيم Hypostasis علم الجمال الكلاسيكي الذي سادت سلطته في الخطاب الفلسفي الغربي لفترات طويلةً . من هنا تبدو تلك المحاولة وكأنها كشف جديد لمنظور آخر غفل عنه النقاد من قبل ، وبالتالي اضحى من الضرورة بمكان التعاطي مع العمارة بوصفها منتجا ليس فقط متشكلا وفقا لاشتراطات علم الجمال الكلاسيكي ، وانما بوصفها صنيعا مشغولا بالاضافة الى القنوات المعرفية المؤسساتية ، فانه ناتج ايضا عن تظافرمجموعة عمل الاجناس الابداعية الاخرى مثل الفنون البصرية والموسيقى الشعبية والفن الشعبي وحتى الفن الشفاهي ،التى تشترك جميعا بذائقتها الفنية وفطنتها المكتسبة عبر قرون من التجريب في ارساء وتحقيق ذلك الصنيع ؛ بعبارة اخرى يتأسس صنيع العمارة المهجنة من حضور " فرشة " مفاهيم متنوعة ، مفاهيم ما انفكت تتشكل بصورة دائمة طالما كانت هناك جماعات بشرية تبتغي التفاعل فيما بينها ، وتغتني باضافات مهمة من ذلك الخزين الذي يرفد العمارة والثقافة بقيم معرفية جديدة . من هنا تتكشف وتتبلور خاصية تكوينية جديدة طبعت الناتج المعماري بطابع خاص ، تميز به منجز المقاربة الثالثة ، وهذه الخاصية معنية بجعل تشكيلات الناتج المعماري غير مشروطة بحضور القيم الجمالية والمتطلبات الوظيفية والقواعد الانشائية لوحدها فقط ، كما كان الامر متعارفا عليه من قبل ، وانما تجعل ذلك المنتج وليد اشتراطات معرفية عديدة ومتباينة في اختصاصاتها بضمنها المعارف البيئية والتاريخية والانثروبولوجية وعلوم الاجتماع والاقتصاد السياسي .
تنزع رؤى المعماريين المهتمين بالمقاربة الثقافية التى نحن بصددها ، والتى دعوناها بالمقاربة الثالثة ، الى التعاطف ومن ثم القبول بنتائج فعالية التهجين المعماري ، الفعالية المعنية بتراكب مرجعيات ثقافية مختلفة ،لانتاج منجز معماري جديد غالبا ما تكون لغته التصميمية على ايدي المعماريين الجادين ذا حضور مميز في الخطاب المعماري ، جراء انتماء عناصره التكوينية الى خصوصية اجواء الثقافات المشاركة في عملية التهجين ؛ لكننا يتعين ان نشير بان بلوغ ذلك المنجزالمتفرد كان دائما رهنا ً بحضور حالتين ، أولهما التحقق من عدم تسييد او أفضلية ثقافة على آخرى ، وثانيا التسليم بظاهرة اوجه الاختلاف بين تلك الثقافات ، ليتسنى بعد ذلك الدنو بسلاسة الى تخوم المشاركة الفعالة . ويعد حضور هاتين الحالتين ، امرا ً لا مندوحة منه لجهة اتمام مهام عملية التثاقف بصيغتها الابداعية.
من جانب آخر ، تغدو ظاهرة الانزياح المعماري نحو " الجنوب " ، التى نرصد موجتها الواسعة الان والتى بدأت حركتها في العقود الاخيرة الماضية ، وكأنها تؤسس لمنتج معماري بخصائص معينة تتجاوز المرجعيات التى شكلتها طبيعة الثقافات الوطنية والقومية . بمعنى آخر ، ان المنتج المعماري الجديد وان انتمى الى خصوصيات ثقافية معينة ومختلفة ، فانه في ذات الوقت يسعى الى تجـاوزها فـي آن واحد . وهذا المنهج المركب الجدلي الذي يعتمد على مفهوم " الانتماء والتجاوز " ، هو الذي يسم الفعالية الابداعية الخاصة بالمقاربة الثالثة بسمة الفرادة والتميزّ . فمن جهة يحرص المعماريون الغربيون العاملون في مناطق غير غربية ،( وكذلك المعماريون غير الغربيين العاملين في بلاد اخرى غير بلادهم ) الى ان تكون قراراتهم التصميمية منسجمة مع تنظير مستقى من خزين معرفي وجمالي محدد . بيدان توظيف مثل تلك القرارات اياها في فضاءات آخرى ، وفي مواقع مغايرة كان يتطلب في كثير من الاحيان تصويبا وتعديلا مستمرين لسنن ذلك التنظير واشتراطاته ؛ اي ان ثمة حراك لجدلية دائمة تتجاذب نوعية القرارات المنتمية الى اصول معرفية معينة ، من ناحية ، ومن ناحية آخرى ، هناك الرغبة في مواءمة تلك القرارات مع اشتراطات المكان الجديد والعمل على انسجامها مع طبيعة المناخ والبيئة الثقافية المغايرة ، ويتم ذلك من خلال تجاوز " دوغماتية " التشبث النصي في ادراك مفهوم تلك القرارات وعدم التسليم بمصداقيتها المطلقة .
ثمة ممارسة ممّيزة يمكن رصدها في بعض اعمال المعمارين الغربيين العاملين في المناطق الجنوبية . وتشغل الان تلك الممارسة حيزا ملموسا من النشاط المعماري الذي نتكلم عنه . كثيرا ما تنطوي سمات تلك الممارسة المعمارية على مبالغة في تأكيد عناصر تكوينية محددة ، تكون عادة مستلة من مفردات لغة العمارة التقليدية وتوظيفها بصورة مغالية في الحلول التصميمية للمباني المشيدة في تلك المناطق ، توخيا ، كما يطمح مصمموها الى تأكيد خصوصية المكان ، ونكهته و "روحه " . بيد ان النتائج المعمارية المترتبة جراء تلك الممارسة ، والمعتمدة اساسا على الفهم السريع والسطحي لثقافة الاخر ، وعدم التمييز ماهو اصيل و " شعبوي " ، يجعل من تلك الممارسة ، التى يلجأ اليها العديد من المصممين والحائزة على تقبل محسوس من قبل بعض المستفيدين ، يجعل منها نوعا من الاستطرادات التوليفية الحافلة بالعناصر " المَعَـارضَة " الباستيشية Pastiche الرخيصة . وسوف لا نعير اهتماما كثيرا لتلك الممارسة ، نظرا لخواءها التكويني ، وحصر اهتمام " منجزها " في الاعلاء من غرائبية الفعالية البنائية والالحاح في تمجيد شعبويتها .