arch
04-01-2008, 09:36 PM
التوصيف القرآني لمجتمعات القرية والمدينة
http://www.karim-system.ch/up/uploads/bd55403c3d.gif (http://www.karim-system.ch/up)
الدكتور وليد أحمد السيد
معماري وأكاديمي ومدير مركز دراسات العمارة الإسلامية بلندن
من الملاحظ أن العمارة ومتعلقاتها الحضرية والإجتماعية قد ورد ذكرها في القرآن الكريم بدلالات وإشارات بعضها صريح مباشر وبعضها الآخر ضمني. ففي الإطار الأول وضمن العمارة الدينية ورد ذكر المسجد الحرام في مواضع متعددة منها في سورة الاسراء {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله}. وورد ذكر العمارة السكنية في مواضع عديدة منها ما يخص الانسان ومنها ما يخص المخلوقات الاخرى. ففي سورة النحل قوله تعالى {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا}، وفي سورة النمل { قالت نملة يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم } - النمل، بالاضافة الى ذكرالمسجد والصوامع والجنة والسد في قصة ذي القرنين، أو السلم أو الصرح (قيل أدخلي الصرح) - النمل، في قصة بلقيس ملكة سبأ، أو البروج أو المدخل {إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر}- القمر، أو السرادق أو الغرفات { في الغرفات آمنون} - سبأ، أو {لنبوئنهم من الجنة غرفا } - العنكبوت، أو قصة ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، أو الاشارة الى عظم مدنية ثمود وعاد التي لم يخلق مثلها في البلاد مما يدل على علو شأو مدنيتهم وعمارتهم. ولكن ما يلاحظ هو دقة ألفاظ القرآن الكريم في التمييز بين كلمة (مدينة) وبين كلمة (قرية)، اذ تمت الإشارة الى لفظة (قرية) مثل قوله تعالى {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} - الزخرف، أو في قصة موسى والخضرعليهما السلام {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما} الكهف، وفي آية لاحقة من سورة الكهف {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة}. أو قوله تعالى {قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم} – الاعراف. أو لفظة أم القرى بالاشارة الى مكة المكرمة في قوله تعالى {وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها} الانعام. جميع هذه الاشارات واستعمال الالفاظ المتعددة بين قرية ومدينة لها مدلولات ومعان دقيقة، فما هي الحكاية؟ وما هو الفرق بين اللفظتين، وماذا يعني ذلك من ناحية حضرية تخطيطية عدا عن الجوانب الاجتماعية؟
بداية من المهم الاشارة الى أن لفظة قرية الواردة في القرآن الكريم لا تعني البتة مفهوم القرية الريفي الذي نعرفه اليوم، بل إن الدلائل والمعاني تدل على المدنية ووجود المجتمع الذي يشكل المدينة بحسب تعريفاتها في التخطيط الحضري اليوم من حيث وجود كيان اجتماعي واقتصادي تجاري وهيكل نظام حكم سياسي الى غيره مما يقيم أود المجتمع المتحضر، وهذه مما وردت في أكثر من موضع تاريخيا اذ توفرت هذه العناصر جميعا. فلا فرق بين المدينة وبين القرية من ناحية حضرية وبحسب التعبير القرآني, فقد أطلق القرآن الكريم على مكة المكرمة لفظة أم القرى, وهي في ذلك الوقت قمة الرقي والتمدن فيما حولها من المدن والحواضر وكانت عاصمة التجارة والسياحة الموسمية (الحج بمعنييه في الجاهلية وفي الإسلام) والأدب (سوق عكاظ). ولكن يبدو أننا في العصر الحديث أطلقنا اصطلاحات وتعريفات للتجمعات العمرانية بناء على أسس بيئية عمرانية محضة تم على أساسها التفريق بين البيئة الحضرية (كما في المدينة) وبين البيئة الريفية (كما في القرية) تبعا لمقومات حسية وديموغرافية واقتصادية وسياسية منها العمل والتعداد السكاني وتوفر وسائل المواصلات والرفاهية والتكنولوجيا ومقر الحكم وغيرها. وفي الحقيقة فاللفظ القرآني يفرق بين الإصطلاحين لا من إعتبارات بيئية أو حضرية إنما من نواحي أخرى. وهنا يتردد التساؤل: لماذا وكيف فرق اللفظ القرآني الكريم بين اللفظتين؟
لعل من أبرز التعاريف والتفاسير التي تجلب الانتباه وبخاصة ما ورد في سورة الكهف في استعمال اللفظتين، هو التفريق بين (الطبيعة المجتمعية) لسكان القرية والمدينة. ففي حين أن اللفظتين قد اطلقتا على نفس المكان في قصة موسى والخضر عليهما السلام، في قوله في الآية الاولى { فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما} الكهف، فقد اطلقت لفظة المدينة على نفس المكان في معرض تفسير الخضر لأعماله العجيبة مع موسى عليهما السلام. والتفسير لذلك أنهما حينما قدما على المكان توسما الخير في أهل المكان (القرية), واللفظة مشتقة من القرى (بكسر القاف) وتعني إطعام الضيف, فطلبوا الطعام فلم يطعموهما ولذلك حينما أورد الخضر لموسى عليهما السلام ما جرى في المكان باقامته الجدار في القرية التي أبى أهلها أن يطعموهما، فسر له الخضر أن الجدار كان لغلامين يتيمين, واستعمل هنا كلمة (المدينة) ولم يستعمل التعبير القرآني لفظة (قرية) في المرة الثانية. ففي المرة الأولى استعمل الوصف القرآني لفظة (القرية) حينما توسم الخضر وموسى الخير في المكان وأهله في إقراء الضيف أي إطعامه, واستعمل مرة أخرى لفظة (المدينة) لنفس المكان حين أبى أهلها أن يطعموهما, وفي هذا دلالة على طبائع وخصائص المجتمع في المكانين وليس توصيفا للمكانين أو تمييزا لهما من ناحية حضرية أبدا. أما في القرية – وبحسب التوصيف القرآني- فيبدو أن الطباع والعادات والتقاليد الاصيلة هي التي تسود بخلاف ما يترتب على تغيير هذه العادات والطباع الاصيلة في المدينة التي ينحو أهلها ناحية الإنعزالية والأنانية تجاه الغرباء من ناحية، وتجاه جيرانهم من ناحية ثانية. فبالمقارنة بين المجتمعين - مجتمع القرية ومجتمع المدينة الحضري بالمفهوم الذي نعرفه اليوم - يسهل تبين مجموعة من الخصائص المتباينة التي قد يبدو أنها انعكاس لتحورات أساسية بين المجتمعين في المكانين وفي البنية التركيبية للبيئات المختلفة من اجتماعية واقتصادية ودينية وغيرها. فمثلا يعرف أهل القرية, بصرف النظر عن نسبية حجمها مقارنة بتعداد سكانها أو بتوافر وسائل الإتصالات والمواصلات الحديثة, بعضهم بعضا وفي الغالب تسود العلاقات الاجتماعية الوطيدة والحميمة، فيما تفتقد هذه العلاقات في مجتمع المدينة, التي تعكس المدنية والتمدن بصرف النظر عن نسبية حجمها وتوفر وسائل الإتصالات والمواصلات التي تقرب البعيد, وتضمحل رويدا رويدا في المدينة ليس فقط بين الجيران وانما بين الأرحام والأقارب في بعض الأحيان. وفيما تسود عادات الطيبة والكرم مجتمع القرية وتعد من الشهامة والعادات المحبذة مثل إطعام الضيف ومساعدة الغرباء وعابري السبيل، تجد أن هذه المفاهيم قد أعيدت تركيبتها في مجتمع المدنية والتمدن بطريقة مختلفة تماما. فالتعامل مع الغرباء محدود ومكروه، بل إن المدينة قد تسببت في خلق عادات أنانية وبرزت فكرة (لا يخصني) بحيث أن احدهم اذا سقط في الشارع العام وبحاجة للمساعدة قد لا يجد الكثير ممن يستوقفه هذا المشهد ويهب للمساعدة، بخلاف مجتمع القرية الذي لا يستوقفه هذا المشهد طويلا بل يجد المحتاج من الغرباء يد العون رغم شح الموارد وقلة ذات اليد في بعض الاحايين. والأمثلة على ذلك من وقائع الحياة العملية لا تعد ولا تحصى, فمثلا أذكر أنني اثناء سفرة لزيارة الاهرامات بمصر قبل عقد من الزمن وأثناء التجول بالموقع حيث السياح والزائرين ممن يركب بعضهم الخيل والجمال للتجول بالمكان، سقط أحدهم عن ظهر الحصان الذي جنح وولى بعيدا بعد أن أسقط حمله، ولسوء حظ الرجل المسكين فقد سقط على أرض صخرية وأغشي عليه والدماء تسيل من رأسه، واذ سارعت إليه تناهى الى سمعي جملة أحد الاصدقاء الذين معي: لا يخصنا، لنبتعد عن هنا! وفي المقابل أذكر أنني ومع زملاء الدراسة في أواخر الثمانينيات قمنا بزيارة لمنطقة عراق الامير, وأثناء التجوال تمكن منا العطش فطلبنا شربة ماء من سيدة طيبة مسنة فحصلنا على شربة ماء وبعضا من خبز الطابون ودعوة صادقة لتناول الغداء, بيد أن البحث وضيق الوقت حال دون تلبية الدعوة التي قابلناها بالشكر الجزيل. هاتان صورتان متغايرتان من مجتمعي القرية والمدينة, يبدو للرائي فيما يبدو أنهما انعكاس مباشر لخصائص المكان, فهل هذه هي الحقيقة؟ وهل البيئة المكانية هي التي تحدد خصائص السكان أم أنهم مسؤولين مسؤولية مباشرة عن الموروث من العادات الإجتماعية والأعراف والممارسات اليومية التي تتحور مع الزمن إن لم يتعهدها أهلها بالرعاية؟
وفي الحقيقة تبدو جملة (لا يخصني) هي عنوان الحياة الاجتماعية في المدينة بمفهومنا الحديث لها وفي غالب الأحيان. وقد يجد لها البعض تبريرا من حيث تجنب الدخول في المتاعب أو ربما لطبيعة الحياة المصلحية التي فرضتها المدينة وتبعاتها من ماديات طاحنة. فبمقارنة البساطة التي يعتادها القاطنون في مجتمع القرية من ناحية المتطلبات المادية، تجد ان سكان المدينة يركضون في كل الاتجاهات سعيا وراء لقمة العيش لتلبية الاحتياجات المادية المتزايدة، والتساؤل هو: هل ينبغي للمكان الحضري الذي اصطلحنا على تسميته بالمدينة بالضرورة أن تفرض مثل هذا النمط الأناني والجشع على ساكنيها أم أن الساكنين هم الذين فرضوا طبيعتهم في المدينة؟ وبكلمات أخرى، هل تبعات متطلبات العيش في المدينة هي التي تولد الخصائص السلبية في المجتمع كالأنانية والتقوقع أم أن العكس هو الصحيح, وأنها نتاج الجشع والسعي المتزايد نحو المزيد؟ وهل الموقع الجغرافي للمكان الحضري على ضفاف الأنهار وشواطئ البحار وخطوط التجارة والسياحة هو الذي يقولب سلوكيات السكان أم أن لهم إرادة سلوكية تظل مناط التكليف والمحاسبة, إذ أن كل نفس بما كسبت رهينة؟ ولماذا تختلف طبيعة المجتمعات بين المدن الحديثة المختلفة؟ فهذا مجتمع منفتح على الإغراب ومضياف, وذاك منغلق لا يكاد يرد السلام على طارحه؟
نترك الاجابة والتفكير مليا بهذا التساؤل للقارئ الكريم ،إنما يهمنا أن القرآن الكريم قد قرر في توصيفه للإختلاف بين المجتمعين أن الفرق يكمن في التركيبات الإجتماعية والتدرج الهرمي التكويني بين المجتمعين, ففي القرية تقوى الروابط الإجتماعية في مقابل تراخيها في المدينة لإعتبارات العمل والمال والمصالح, وربما الموروث الإجتماعي للخلف من السلف على القاعدة التكاسلية "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم لمقتدون" والتي كرست العادات الخبيثة في المجتمعات وكانت سببا مباشرا في تقويض المدنيات والحضارات وإهلاك الأمم. ويبدو أن الالفاظ القرآنية قد حسمت القضية، فبالنظر الى التعبيرات القرآنية المختلفة، يتبين انه حيثما وردت لفظة (قرية) تجد الخير أو النزعة نحو الخير، ولذلك وصفت مكة في القرآن الكريم بأم القرى. أما المتأمل في لفظة (مدينة) في القرآن الكريم فيجد أنها تدل على تغير الطبيعة المجتمعية وظهور الصفات المتحورة التي غالبا ما تنزع نحوالدنيا وتبتعد عن الخيرية. فمثلا لم يستعمل التعبير القرآني لفظة (القرى) في قصة سحرة موسى إنما كان التعبير المستعمل هو (المدائن) جمع مدينة (وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم). ومن هنا تدل الالفاظ, في جملة ما تدل عليه, على نوعية المهن التي تتطلبها طبيعة العيش في المدينة والتي تخلو منها القرية, فالسحرة هم من أهل المدائن بالتوصيف القرآني. وفي المجتمعات الحديثة وبالذات المجتمعات الحضرية الحديثة تعاني المدينة من ظهور الحرف التي لم تعهدها البشرية في تاريخها الطويل، إذ تظهر الحرف التي تعتمد النصب للحصول على لقمة العيش دون بذل ادنى مجهود، وتعلو نسب الجريمة والسرقة والسطو، وهي من آفات البيئة الحضرية الحديثة. ونطرح التساؤل للقارئ الكريم مجددا، أهي المدينة أم سكانها؟
د.وليد أحمد السيد
لندن في 2 نيسان 2008
http://www.omranet.com/vb/showthread.php?t=965
http://www.karim-system.ch/up/uploads/bd55403c3d.gif (http://www.karim-system.ch/up)
الدكتور وليد أحمد السيد
معماري وأكاديمي ومدير مركز دراسات العمارة الإسلامية بلندن
من الملاحظ أن العمارة ومتعلقاتها الحضرية والإجتماعية قد ورد ذكرها في القرآن الكريم بدلالات وإشارات بعضها صريح مباشر وبعضها الآخر ضمني. ففي الإطار الأول وضمن العمارة الدينية ورد ذكر المسجد الحرام في مواضع متعددة منها في سورة الاسراء {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله}. وورد ذكر العمارة السكنية في مواضع عديدة منها ما يخص الانسان ومنها ما يخص المخلوقات الاخرى. ففي سورة النحل قوله تعالى {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا}، وفي سورة النمل { قالت نملة يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم } - النمل، بالاضافة الى ذكرالمسجد والصوامع والجنة والسد في قصة ذي القرنين، أو السلم أو الصرح (قيل أدخلي الصرح) - النمل، في قصة بلقيس ملكة سبأ، أو البروج أو المدخل {إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر}- القمر، أو السرادق أو الغرفات { في الغرفات آمنون} - سبأ، أو {لنبوئنهم من الجنة غرفا } - العنكبوت، أو قصة ثمود الذين جابوا الصخر بالواد، أو الاشارة الى عظم مدنية ثمود وعاد التي لم يخلق مثلها في البلاد مما يدل على علو شأو مدنيتهم وعمارتهم. ولكن ما يلاحظ هو دقة ألفاظ القرآن الكريم في التمييز بين كلمة (مدينة) وبين كلمة (قرية)، اذ تمت الإشارة الى لفظة (قرية) مثل قوله تعالى {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} - الزخرف، أو في قصة موسى والخضرعليهما السلام {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما} الكهف، وفي آية لاحقة من سورة الكهف {وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة}. أو قوله تعالى {قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم} – الاعراف. أو لفظة أم القرى بالاشارة الى مكة المكرمة في قوله تعالى {وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها} الانعام. جميع هذه الاشارات واستعمال الالفاظ المتعددة بين قرية ومدينة لها مدلولات ومعان دقيقة، فما هي الحكاية؟ وما هو الفرق بين اللفظتين، وماذا يعني ذلك من ناحية حضرية تخطيطية عدا عن الجوانب الاجتماعية؟
بداية من المهم الاشارة الى أن لفظة قرية الواردة في القرآن الكريم لا تعني البتة مفهوم القرية الريفي الذي نعرفه اليوم، بل إن الدلائل والمعاني تدل على المدنية ووجود المجتمع الذي يشكل المدينة بحسب تعريفاتها في التخطيط الحضري اليوم من حيث وجود كيان اجتماعي واقتصادي تجاري وهيكل نظام حكم سياسي الى غيره مما يقيم أود المجتمع المتحضر، وهذه مما وردت في أكثر من موضع تاريخيا اذ توفرت هذه العناصر جميعا. فلا فرق بين المدينة وبين القرية من ناحية حضرية وبحسب التعبير القرآني, فقد أطلق القرآن الكريم على مكة المكرمة لفظة أم القرى, وهي في ذلك الوقت قمة الرقي والتمدن فيما حولها من المدن والحواضر وكانت عاصمة التجارة والسياحة الموسمية (الحج بمعنييه في الجاهلية وفي الإسلام) والأدب (سوق عكاظ). ولكن يبدو أننا في العصر الحديث أطلقنا اصطلاحات وتعريفات للتجمعات العمرانية بناء على أسس بيئية عمرانية محضة تم على أساسها التفريق بين البيئة الحضرية (كما في المدينة) وبين البيئة الريفية (كما في القرية) تبعا لمقومات حسية وديموغرافية واقتصادية وسياسية منها العمل والتعداد السكاني وتوفر وسائل المواصلات والرفاهية والتكنولوجيا ومقر الحكم وغيرها. وفي الحقيقة فاللفظ القرآني يفرق بين الإصطلاحين لا من إعتبارات بيئية أو حضرية إنما من نواحي أخرى. وهنا يتردد التساؤل: لماذا وكيف فرق اللفظ القرآني الكريم بين اللفظتين؟
لعل من أبرز التعاريف والتفاسير التي تجلب الانتباه وبخاصة ما ورد في سورة الكهف في استعمال اللفظتين، هو التفريق بين (الطبيعة المجتمعية) لسكان القرية والمدينة. ففي حين أن اللفظتين قد اطلقتا على نفس المكان في قصة موسى والخضر عليهما السلام، في قوله في الآية الاولى { فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما} الكهف، فقد اطلقت لفظة المدينة على نفس المكان في معرض تفسير الخضر لأعماله العجيبة مع موسى عليهما السلام. والتفسير لذلك أنهما حينما قدما على المكان توسما الخير في أهل المكان (القرية), واللفظة مشتقة من القرى (بكسر القاف) وتعني إطعام الضيف, فطلبوا الطعام فلم يطعموهما ولذلك حينما أورد الخضر لموسى عليهما السلام ما جرى في المكان باقامته الجدار في القرية التي أبى أهلها أن يطعموهما، فسر له الخضر أن الجدار كان لغلامين يتيمين, واستعمل هنا كلمة (المدينة) ولم يستعمل التعبير القرآني لفظة (قرية) في المرة الثانية. ففي المرة الأولى استعمل الوصف القرآني لفظة (القرية) حينما توسم الخضر وموسى الخير في المكان وأهله في إقراء الضيف أي إطعامه, واستعمل مرة أخرى لفظة (المدينة) لنفس المكان حين أبى أهلها أن يطعموهما, وفي هذا دلالة على طبائع وخصائص المجتمع في المكانين وليس توصيفا للمكانين أو تمييزا لهما من ناحية حضرية أبدا. أما في القرية – وبحسب التوصيف القرآني- فيبدو أن الطباع والعادات والتقاليد الاصيلة هي التي تسود بخلاف ما يترتب على تغيير هذه العادات والطباع الاصيلة في المدينة التي ينحو أهلها ناحية الإنعزالية والأنانية تجاه الغرباء من ناحية، وتجاه جيرانهم من ناحية ثانية. فبالمقارنة بين المجتمعين - مجتمع القرية ومجتمع المدينة الحضري بالمفهوم الذي نعرفه اليوم - يسهل تبين مجموعة من الخصائص المتباينة التي قد يبدو أنها انعكاس لتحورات أساسية بين المجتمعين في المكانين وفي البنية التركيبية للبيئات المختلفة من اجتماعية واقتصادية ودينية وغيرها. فمثلا يعرف أهل القرية, بصرف النظر عن نسبية حجمها مقارنة بتعداد سكانها أو بتوافر وسائل الإتصالات والمواصلات الحديثة, بعضهم بعضا وفي الغالب تسود العلاقات الاجتماعية الوطيدة والحميمة، فيما تفتقد هذه العلاقات في مجتمع المدينة, التي تعكس المدنية والتمدن بصرف النظر عن نسبية حجمها وتوفر وسائل الإتصالات والمواصلات التي تقرب البعيد, وتضمحل رويدا رويدا في المدينة ليس فقط بين الجيران وانما بين الأرحام والأقارب في بعض الأحيان. وفيما تسود عادات الطيبة والكرم مجتمع القرية وتعد من الشهامة والعادات المحبذة مثل إطعام الضيف ومساعدة الغرباء وعابري السبيل، تجد أن هذه المفاهيم قد أعيدت تركيبتها في مجتمع المدنية والتمدن بطريقة مختلفة تماما. فالتعامل مع الغرباء محدود ومكروه، بل إن المدينة قد تسببت في خلق عادات أنانية وبرزت فكرة (لا يخصني) بحيث أن احدهم اذا سقط في الشارع العام وبحاجة للمساعدة قد لا يجد الكثير ممن يستوقفه هذا المشهد ويهب للمساعدة، بخلاف مجتمع القرية الذي لا يستوقفه هذا المشهد طويلا بل يجد المحتاج من الغرباء يد العون رغم شح الموارد وقلة ذات اليد في بعض الاحايين. والأمثلة على ذلك من وقائع الحياة العملية لا تعد ولا تحصى, فمثلا أذكر أنني اثناء سفرة لزيارة الاهرامات بمصر قبل عقد من الزمن وأثناء التجول بالموقع حيث السياح والزائرين ممن يركب بعضهم الخيل والجمال للتجول بالمكان، سقط أحدهم عن ظهر الحصان الذي جنح وولى بعيدا بعد أن أسقط حمله، ولسوء حظ الرجل المسكين فقد سقط على أرض صخرية وأغشي عليه والدماء تسيل من رأسه، واذ سارعت إليه تناهى الى سمعي جملة أحد الاصدقاء الذين معي: لا يخصنا، لنبتعد عن هنا! وفي المقابل أذكر أنني ومع زملاء الدراسة في أواخر الثمانينيات قمنا بزيارة لمنطقة عراق الامير, وأثناء التجوال تمكن منا العطش فطلبنا شربة ماء من سيدة طيبة مسنة فحصلنا على شربة ماء وبعضا من خبز الطابون ودعوة صادقة لتناول الغداء, بيد أن البحث وضيق الوقت حال دون تلبية الدعوة التي قابلناها بالشكر الجزيل. هاتان صورتان متغايرتان من مجتمعي القرية والمدينة, يبدو للرائي فيما يبدو أنهما انعكاس مباشر لخصائص المكان, فهل هذه هي الحقيقة؟ وهل البيئة المكانية هي التي تحدد خصائص السكان أم أنهم مسؤولين مسؤولية مباشرة عن الموروث من العادات الإجتماعية والأعراف والممارسات اليومية التي تتحور مع الزمن إن لم يتعهدها أهلها بالرعاية؟
وفي الحقيقة تبدو جملة (لا يخصني) هي عنوان الحياة الاجتماعية في المدينة بمفهومنا الحديث لها وفي غالب الأحيان. وقد يجد لها البعض تبريرا من حيث تجنب الدخول في المتاعب أو ربما لطبيعة الحياة المصلحية التي فرضتها المدينة وتبعاتها من ماديات طاحنة. فبمقارنة البساطة التي يعتادها القاطنون في مجتمع القرية من ناحية المتطلبات المادية، تجد ان سكان المدينة يركضون في كل الاتجاهات سعيا وراء لقمة العيش لتلبية الاحتياجات المادية المتزايدة، والتساؤل هو: هل ينبغي للمكان الحضري الذي اصطلحنا على تسميته بالمدينة بالضرورة أن تفرض مثل هذا النمط الأناني والجشع على ساكنيها أم أن الساكنين هم الذين فرضوا طبيعتهم في المدينة؟ وبكلمات أخرى، هل تبعات متطلبات العيش في المدينة هي التي تولد الخصائص السلبية في المجتمع كالأنانية والتقوقع أم أن العكس هو الصحيح, وأنها نتاج الجشع والسعي المتزايد نحو المزيد؟ وهل الموقع الجغرافي للمكان الحضري على ضفاف الأنهار وشواطئ البحار وخطوط التجارة والسياحة هو الذي يقولب سلوكيات السكان أم أن لهم إرادة سلوكية تظل مناط التكليف والمحاسبة, إذ أن كل نفس بما كسبت رهينة؟ ولماذا تختلف طبيعة المجتمعات بين المدن الحديثة المختلفة؟ فهذا مجتمع منفتح على الإغراب ومضياف, وذاك منغلق لا يكاد يرد السلام على طارحه؟
نترك الاجابة والتفكير مليا بهذا التساؤل للقارئ الكريم ،إنما يهمنا أن القرآن الكريم قد قرر في توصيفه للإختلاف بين المجتمعين أن الفرق يكمن في التركيبات الإجتماعية والتدرج الهرمي التكويني بين المجتمعين, ففي القرية تقوى الروابط الإجتماعية في مقابل تراخيها في المدينة لإعتبارات العمل والمال والمصالح, وربما الموروث الإجتماعي للخلف من السلف على القاعدة التكاسلية "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم لمقتدون" والتي كرست العادات الخبيثة في المجتمعات وكانت سببا مباشرا في تقويض المدنيات والحضارات وإهلاك الأمم. ويبدو أن الالفاظ القرآنية قد حسمت القضية، فبالنظر الى التعبيرات القرآنية المختلفة، يتبين انه حيثما وردت لفظة (قرية) تجد الخير أو النزعة نحو الخير، ولذلك وصفت مكة في القرآن الكريم بأم القرى. أما المتأمل في لفظة (مدينة) في القرآن الكريم فيجد أنها تدل على تغير الطبيعة المجتمعية وظهور الصفات المتحورة التي غالبا ما تنزع نحوالدنيا وتبتعد عن الخيرية. فمثلا لم يستعمل التعبير القرآني لفظة (القرى) في قصة سحرة موسى إنما كان التعبير المستعمل هو (المدائن) جمع مدينة (وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم). ومن هنا تدل الالفاظ, في جملة ما تدل عليه, على نوعية المهن التي تتطلبها طبيعة العيش في المدينة والتي تخلو منها القرية, فالسحرة هم من أهل المدائن بالتوصيف القرآني. وفي المجتمعات الحديثة وبالذات المجتمعات الحضرية الحديثة تعاني المدينة من ظهور الحرف التي لم تعهدها البشرية في تاريخها الطويل، إذ تظهر الحرف التي تعتمد النصب للحصول على لقمة العيش دون بذل ادنى مجهود، وتعلو نسب الجريمة والسرقة والسطو، وهي من آفات البيئة الحضرية الحديثة. ونطرح التساؤل للقارئ الكريم مجددا، أهي المدينة أم سكانها؟
د.وليد أحمد السيد
لندن في 2 نيسان 2008
http://www.omranet.com/vb/showthread.php?t=965